المنصة – ديار الأمين
في الاحتجاجات التي أعقبت اندلاع الحرب واغتيال السيد علي خامنئي بضربة إسرائيلية، أظهرت النساء المحتجات تواجداً ملحوظاً في المظاهرات التي طوّقت الجسر المعلّق في بغداد، وكادت أن تدخل المنطقة الخضراء لاقتحام السفارة الأميركية.
هذه المشاركة ليست الأولى للنساء في المظاهرات والاحتجاجات الشعبية على الحروب والفساد والمشكلات السياسية الأخرى، لكنها المرة الأولى التي تحضر فيها النساء مظاهرات تدعو صراحةً إلى اقتحام المنطقة الخضراء. فغالباً ما تغيب النسوة عن هكذا نوع من الاحتجاجات، بينما تتواجد بقوة في الاحتجاجات السلمية.
قبل سنوات قليلة، اقتصرت صور المشاركة النسوية في الشوارع العراقية على الاحتجاجات السلمية التي تنادي بإطاحة الفاسدين، أو تغيير القوانين، أو إقرار قوانين حرية التعبير، وقضايا حقوق النساء. وبرزت النساء بشكل لافت العام الماضي عند سن قانون الأحوال الشخصية الجديد، المعروف بالـ”مدونة الجعفرية”، محتجات على البنود التي أُقرّت بإسقاط حضانة الأطفال عن الأم في عمر مبكر.
كما شاركت النساء كمحتجات في مظاهرات عدة تمس الحياة اليومية للعراقيين، لكن أكثرها وضوحاً وأطولها كانت مظاهرات تشرين أول 2019، التي استمرت شهوراً حتى تغيير الحكومة. ومع ذلك، كان دور النساء مختلفاً تماماً، إذ كن مسعفات يداوين الجرحى أو يطبخن الطعام للمتظاهرين، ولم يشاركْن في رمي الفتائل الحارقة على القوات الأمنية أو اقتحام المنطقة الخضراء. إلا أن ما حدث بعد اغتيال المرشد الأعلى غيّر هذا الدور بشكل ملفت.
ندى عبد الأمير (38 سنة)، موظفة في دائرة حكومية، شاركت في التظاهرات الاحتجاجية منذ اليوم الأول لاغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي.
تقول ندى، وهي تقف أمام الجسر المعلّق وترفع لافتة كتب عليها “كلا كلا أميركا”: “لم نكن نشارك بهذا الشكل منذ سنوات مضت، فقد كان التظاهر خطراً على حياتنا. اليوم، رغم المخاطر، نحن هنا لنؤكد أننا جزء من هذا الوطن، وأن لدينا صوتاً يجب أن يُسمع”.
وأضافت أن مشاركة النساء في الصفوف الأولى “تعكس رغبة قوية في تغيير دور المرأة في الاحتجاجات لتكون أكثر ثورية من قبل، وأن التظاهرات لم تعد حكراً على فئة أو عمر محدد”.
تحول في دور المرأة الاحتجاجي
شهدت بغداد منذ سقوط النظام السابق في عام 2003 سلسلة طويلة من الاحتجاجات للمطالبة بإصلاحات واسعة، غير أن الحضور النسوي ظل غالباً محدوداً ومخفياً خلف الحشود أو في مواقع الدعم اللوجستي.
ومع مرور السنوات وتصاعد التحديات الاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع الخدمات الأساسية، بدأت النساء العراقيات يجدن في الشارع مساحة للتعبير عن غضبهن ومطالبهن المشروعة.
في الاحتجاجات الأخيرة أمام جسر المعلّق، بدا صوت النساء واضحاً ومباشراً، خصوصاً في الهتافات التي طالبت بإخراج السفارة الأميركية من العراق.
تقول سارة حسن، إحدى المحتجات: “نحن لسنا هنا فقط لأنفسنا، بل من أجل التضامن. في السابق كانت مشاركة النساء محدودة وخجولة، أما اليوم فقد أصبحنا جزءاً من الحراك الأساسي تماماً مثل أقراننا من الرجال”.
ومنذ يوم الاثنين الماضي، 2 آذار (مارس) الجاري، شهد الجسر المعلّق تجمعاً ضخماً من المتظاهرين المتجهين نحو السفارة الأميركية. المحتجون، ومن بينهم أعداد كبيرة من النساء، رفعوا شعارات حازمة تطالب بإخراج السفارة. وكان حضور النساء في هكذا احتجاجات محدوداً سابقاً، أما اليوم فقد أظهرن جرأة أكبر، حتى أنهن رمين الحجارة على قوات مكافحة الشغب وارتدين الملابس السوداء حداداً على استهداف المرشد.
ريم فؤاد، التي كانت تحمل صورة السيد علي خامنئي أثناء حركة الاقتحام، قالت بصوت مبحوح: “من العار أن نقف على الحياد في هذه الحرب، لذلك جئنا ليسمع الجميع صوتنا، ولنطالب برحيل الأميركيين عن السفارة أو نقتحمها ونجبرهم على الرحيل”.
وسط الزحام، بدا واضحاً أن النساء لم يتواجدن كمتفرجات فقط، بل شاركن بفاعلية في تنظيم الصفوف، وإدارة الهتافات، والحفاظ على النظام داخل الحشود، مما يكشف تحولاً كبيراً في طريقة تفاعلهن مع الاحتجاجات، بدأ يظهر للعيان في الساحة العراقية.
في الاحتجاجات السابقة التي شاركت فيها النساء، كانت المظاهرات سلمية فحسب، وتبتعد حينما تندلع المواجهات مع قوات مكافحة الشغب أو حتى يتم حمايتهن من المتظاهرين الذين يشكلون طوقاً حولهن.
تقول زينب جواد، وهي شابة في منتصف العشرينات، إنها حينما شاركت في احتجاجات تشرين التي اندلعت عام 2019: “كنا نرفع الأعلام ونردد الشعارات التي تطالب بمحاسبة الفاسدين، وحينما تحدث مواجهات كنا نبتعد حفاظاً على سلامتنا”.
لكن هذا المشهد تغير بشكل كبير في الاحتجاجات الأخيرة، إذ أظهرت الصور والفيديوهات المتداولة على مواقع التواصل نساء يهاجمن قوات مكافحة الشغب بشراسة غير معهودة ويرمين الحجارة والطابوق عليهم.
الحكومة العراقية لم تسيطر على الاحتجاجات بالشكل المطلوب إلا بعد قيامها بإغلاق مداخل المنطقة الخضراء وسط بغداد في اليوم ذاته، أما الاحتجاجات فغيرت وقتها دون أن تغير مطالبها، إذ بدأ المحتجون يحضرون إلى مدخل الخضراء من جانب الجسر المعلّق بعد تناول الفطور وكسر الصيام بدلاً من التواجد أثناء النهار.
تغيّر وجه الاحتجاج؟
يرى مراقبون أن حضور النساء في الصفوف الأولى أثناء محاولة الدخول إلى المنطقة الخضراء واقتحام السفارة الأميركية يعطي الاحتجاجات شرعية اجتماعية أكبر، ويظهر أن القضية ليست حكراً على فئة سياسية معينة، بل تخص جميع شرائح المجتمع.
يقول أحد النشطاء المدنيين طلب عدم ذكر اسمه: “وجود النساء في المقدمة يرسل رسالة قوية أن هذا الاحتجاج يشمل النساء والرجال ويستند إلى مطالب شعبية حقيقية”.
ويضيف أن المرأة العراقية اليوم “لم تعد مترددة في إبداء رأيها، بل أصبحت قوة ضغط مهمة داخل الاحتجاجات”.
مع ذلك، لا يخلو الطريق من التحديات، فالمخاطر الأمنية، والتهديدات، والازدحام يمكن أن تجعل التظاهر أمام البعثات الدبلوماسية أو في الشوارع خطراً، لكن النساء اللواتي تحدثنا إليهن أكّدّن أن “الخطر لا يخيفهن، وأنهن يعلمن أن التغيير لا يأتي من الخلف”.
تقول ندى عبد الأمير: “الخوف لن يمنعنا. إذا استمر الوضع كما هو، فمصير أبنائنا لن يكون أفضل. نريد صوتنا أن يُسمع”.
أما سارة حسن، فترى أن التظاهر هو “الوسيلة الوحيدة المتاحة للتأثير في الواقع الحالي”، وتقول: “نحن جاهزون للمشاركة حتى النهاية”.
بعض المراقبين يرون أن مشاركة النساء في الاحتجاجات بشكلها الحالي يمكن أن يعزز قدرات الحراك الشعبي وتؤسس لنقاش أوسع حول الحقوق، والمواطنة، والمساواة في العراق.
قبل عدة سنوات، كانت فكرة مشاركة النساء في الصفوف الأمامية لاحتجاجات تحاول اقتحام الخضراء تبدو صعبة التحقيق، لكن ما حدث في الأيام القليلة الماضية أمام الجسر المعلّق قد يشير إلى تحوّل حقيقي في المشهد الاحتجاجي العراقي في المرحلة المقبلة.
أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.





