البصرة- نغم مكي
حين تستيقظ المرأة في البصرة فجراً، لا يكون هاجسها الأول الطعام أو الدفء، بل سؤال واحد يتكرر في ذهنها: هل وصل الماء الليلة؟ ذلك السؤال البسيط بات يلخص حياة آلاف الأسر في محافظة تجلس فوق الأنهار وتشكو العطش، تحتضن شط العرب وتكتوي بملوحته، تُصدر النفط إلى العالم بينما يضطر كثير من سكانها إلى شراء الماء بأسعار تُنهك الجيوب.
في حي الأسرى بمدينة الزبير، الواقعة في أقصى جنوب غرب محافظة البصرة على بُعد نحو ثلاثين كيلومتراً من مركزها والقريبة من الحدود الكويتية، التي كانت عبر التاريخ محطة للقوافل التجارية، تعيش السيدة الثلاثينية ضي كاظم وهي زوجة وأم لطفلين.
كان الماء خلال الأشهر الماضية يصل إلى منزلها متأخراً بعد منتصف الليل في الصيف أو نحو العاشرة مساء في الشتاء، ثم ينقطع ثلاثة أيام أحياناً قبل أن يعود مجدداً، ومع مرور الوقت تكيفت العائلة على مضض مع هذا الإيقاع القاسي.
غير أن بداية شباط (فبراير) الماضي جاءت بما هو أشد وطأة، فمنذ اليوم الأول وحتى منتصف الشهر انقطع الماء تماماً ولم يصل إلا مرة واحدة خلال أسابيع ثم عاد الانقطاع من جديد.
تسحب ضي نفساً طويلاً وبصوت منهك نتيجة حمل يفوق بنيتها الجسدية وهي تشرح معاناتها مع انقطاع المياه وتقول “تريد تغسل وجهك ماكو ماي، تجي للماي بارد، تريد تفرش اسنانك تترس كلاصات أو دبات وتفرش، والله ينكطع گلبي”.
لا تقتصر معاناة ضي على الإرهاق الجسدي بل تمتد إلى عبء اقتصادي لم تكن تتوقعه. بامتعاض تواصل حديثها عن كلفة الماء التي باتت تثقل كاهل الأسرة.
تقول: “البرميل الصغير الذي كان يُملأ بثلاثة آلاف دينار قبل الأزمة بات بستة عشر ألفاً، أما الكبير فوصل إلى خمسة وعشرين ألفاً، كما أن المسافة تزيد المعاناة أيضاً، إذ يقع خزان الماء في الطابق الثالث بينما لا يصل الخرطوم إليه”.
جسمي احترق من المياه
لدى ضي ابن يبلغ من العمر اثني عشر عاماً يعاني من قصور في وظائف الكلى واضطرابات في المثانة تجعله كثير التبول. في السابق كانت تغسل ملابسه وفراشه بانتظام وتُسبحه يومياً أما الآن فهي تحمل دِباب الماء من الطابق الأرضي إلى الثالث وتُسخن الماء ثم تصعد به وهي تلهث.
وتضيف بمرارة “اذا كعد وانا نايمة أو اسوي فطور يبقى بفراشه يبجي، كلش أثر على نفسيته أكثر مني، صار قليل ينام”.
في بقعة أخرى من البصرة تتجسد أزمات مشابهة، على الضفة الغربية لشط العرب شمال مركز المدينة يمتد حي المعقل العريق الذي شيده البريطانيون إبان الاحتلال ليكون ميناءً ومنطقة صناعية وظل لعقود رمزاً للبنية التحتية المتطورة. في هذا الحي تعيش سندس نعمة وهي طالبة جامعية وزوجة وأم، واقعاً لا يليق بتاريخ المكان.
سندس التي تحاول التوفيق بين التزاماتها العائلية وواجباتها الدراسية وأزمة الماء التي تعرقل روتينها اليومي تقول “الماء يصل كل أربعة أيام تقريباً، لكنه يصل مالحاً لدرجة أن ما يتركه على الملابس السوداء يشبه طبقة ملح مرئية، وما يتركه على الجسم يشبه الحريق”.
وتضيف أن عينيها أصيبتا بتحسس حاد وجفاف لا يستجيب للعلاج كما ظهرت حبوب على جسدها. وعندما تُسأل عن السبب تُشير مباشرة إلى الحنفية التي لا تخرج ماء صالحاً للشرب ولا للطبخ ولا حتى للاستحمام “استحممت به فاحترق جسمي من الملح، الحساسية صارت من ورا الماي”.
تضطر سندس إلى شراء المياه النقية أربع مرات شهرياً بكلفة سبعة آلاف دينار للوجبة الواحدة إضافة إلى ما تنفقه على صيانة الأنابيب التي ينخرها الصدأ بسبب الملوحة المتراكمة، وكان آخر هذه الأعطال حين تآكل الأنبوب المتصل بالسخان وبقي الماء يُكهرب ما اضطرها إلى تغيير الأنابيب والسخان معاً وهي مشكلة تتكرر بين فترة وأخرى.
استحمام في دورة المياه
في مركز المدينة وتحديداً في حي السيمر بالبصرة القديمة حيث تمتد جذور المدينة الأولى وتتنفس الأزقة ذاكرة عمرها قرون تعيش زينب رعد وهي فتاة عشرينية تعمل موظفة في إحدى دوائر البصرة الحكومية وتعيل عائلتها.
يفرض عليها دوامها اليومي الاستحمام والحفاظ على نظافة ملابسها لكن الماء المالح يُتلف الأقمشة ويؤثر في بشرتها التي تعاني أصلاً من حساسية جلدية وتساقط في الشعر ما دفعها إلى شراء زيوت للعناية بالشعر دون أن تجد فائدة حقيقية مع استمرار استخدام المياه المالحة.
كانت تلجأ أحياناً إلى بيت أختها القريبة لغسل ملابسها لكن الأمر تغير عندما لاحظت أن فاتورة الماء لدى أختها ارتفعت وبدأ التوتر يظهر بصمت من خلال نظرات توحي بأنها ربما بالغت في استخدام المياه وتقول زينب “گلت اشتري وأخسر بلا مشاكل وإحراجات”.
وتشير تقارير إلى أن تركيزات الملح في شط العرب ارتفعت إلى نحو 29 ألف جزء في المليون مقارنة مع أقل من 2,600 جزء قبل سنوات، ما يجعل الماء غير صالح للشرب والزراعة أو حتى الاستخدام المنزلي الاعتيادي.
تروي زينب أنها في أحد أيام الصيف حين كان الماء مقطوعاً والحرارة مرتفعة اضطرت إلى الاستحمام في دورة مياه دائرتها الحكومية وتصف تلك الخطوة بأنها كانت “متهورة” لكنها كانت الحل الوحيد المتاح في ذلك الوقت.
الأنهار مكبات نفايات
ما تعيشه هؤلاء النساء ليس حالة استثنائية بل يمثل جانباً إنسانياً لأزمة بيئية وسياسات مائية معطلة في المحافظة.
الدكتور جاسم المالكي، الخبير البيئي، يكشف أن تدفق المياه في شط العرب عبر نظم قلعة صالح انخفض إلى ما دون 30 متراً مكعباً في الثانية، أي بانخفاض يقارب 90 في المئة عن المستويات الطبيعية، وأضاف أن اللسان الملحي الذي كان نادراً ما يتجاوز مصب النهر وصل الآن إلى نحو مئتي كيلومتر داخل شط العرب، حتى بلغ ملتقى دجلة والفرات في القرنة، وفي مركز البصرة وصلت الملوحة إلى 20,000 ملليغرام لكل لتر، أي ما يقارب نصف ملوحة مياه البحر، وهو مستوى يجعل الماء غير صالح للشرب أو الطبخ أو الاستحمام اليومي الاعتيادي.
ويُضيف المالكي أن أكثر من 600 نهر فرعي في المحافظة تحولت غالبيتها إلى مكبات للنفايات بينما تصب محطات المجاري في القرنة والدير والهارثة وأبو الخصيب مياهها غير المعالجة مباشرة في النهر إضافة إلى التلوث الصناعي والزراعي والنفطي.
من جهته أوضح مدير الموارد المائية في البصرة مازن جاسم أن الإطلاقات المائية الواصلة إلى المحافظة من مؤخر ناظم قلعة صالح سجلت ارتفاعاً لتصل إلى نحو 58 متراً مكعباً في الثانية بعد أن كانت تتراوح بين 30 و40 متراً مكعباً، وأكد أن هذه الكميات ساهمت في خفض تراكيز الملوحة في شط العرب إلى نحو ثلاثة آلاف TDS بعد أن سجلت سابقاً نحو 38 ألف TDS في مناطق السيبة وأبي الخصيب، وأضاف جاسم أن بقاء كتلة ملحية في مناطق كتيبان ومركز البصرة يتطلب إطلاقات إضافية لضمان دفعها.
وأكد النائب الإداري لمحافظ البصرة ماهر العامري في بيان أن زيارة ميدانية إلى مشروع R0 جرت للاطلاع على الحصة المائية المغذية مشيراً إلى أن سبب انخفاض كمية المياه يعود إلى وجود نبات الشمبلان وبعض الترسبات داخل الأحواض التي تؤثر على انسيابية المياه.
رمضان.. ذروة الأزمة
في السياق ذاته رصد المهندس الزراعي فاروق قادر سبباً آخر لتفاقم الأزمة يتمثل في انتشار نبات الشمبلان بكثافة غير مسبوقة في مجرى قناة البدعة المغذي الرئيسي للمنطقة ما يعيق جريان المياه باتجاه أحواض الخزن وتحتاج إزالته إلى آليات متخصصة وفرق عمل مستمرة غير أن شح الموازنات التشغيلية وتعطل آليات الموارد المائية أدى إلى تأخير جدول الإزالة الدورية عدة أشهر عن موعده المقرر في كانون الأول (ديسمبر) الماضي.
تزامنت ذروة الأزمة مع شهر رمضان فاشتدت وطأتها. تصف ضي كيف أن الناس حولها كانوا يُنوعون موائدهم بينما كانت هي عاجزة عن إعداد أبسط الطعام أو حتى غسل الأطباق التي غمستها في الماء لساعات كي لا تلتصق بقايا الطعام بها لكن الظروف جعلت ذلك تحدياً يومياً يعكس عمق الصعوبات التي تعيشها.
تقول بحسرة “اشتريت أوانٍ بلاستيكية للاستخدام مرة واحدة ثم تخليت عنها حين انصهرت أمام حرارة الشوربة الساخنة”.
تتنهد ضي بعمق وهي تحمل دِباب الماء لطفلها المريض الذي لا يستطيع الانتظار بينما تجلس سندس تحسب كلفة الماء قبل كلفة الطعام وتفكر زينب في تكرار تجربة الاستحمام في دورة مياه دائرتها كخطة بديلة لأن منزلها لا يملك ما يكفي من الماء.
النسوة الثلاث لم يخترن هذا الواقع لكنهن يواجهنه كل يوم بصمت مرهق في مدينة لا ينقصها الماء جغرافياً بل ينقصها من يُدير هذا المورد بإنصاف.
أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.








