المنصة – خلود العامري
تحتفظ ذاكرة النساء في العراق بصور مختلفة عن الحرب، كيف لا وهنّ اللواتي عشن سنوات طويلة من الحروب والحصار والمرض، وكنّ يستعدن بشكل جيد في كل مرة تندلع فيها الصراعات، بداية من ثمانينيات القرن الماضي حينما اندلعت الحرب العراقية – الإيرانية، وحتى عام 2018 حينما تم تحرير معظم مدن العراق من تنظيم داعش. هذه السنوات الطويلة من الحروب والأزمات ولّدت خبرة جيدة لدى النساء في تحويل الخوف إلى استعداد للمواجهة.
حينما اندلعت الحرب الإسرائيلية – الأميركية الأخيرة على إيران، لم تفكر النساء في الاستعداد لحرب طويلة، لا سيما وأن الخبرة التي تحملها ذاكرتهن من الحرب على الجارة ذاتها قبل شهور، أي حرب الاثني عشر يوماً، تقول إن المواجهة ستنتهي سريعاً. لكن بعد مرور أسبوعين، ودخول الحرب أسبوعها الثالث، ثم امتدادها إلى عيد الفطر، نُقِضت تلك الصورة، وبدأت العراقيات في الاستعداد لحرب طويلة.
خزن الغذاء وشراء المواد الأساسية هو الاستعداد الأكثر شيوعاً الذي قامت به معظم العراقيات، رغم تطمينات وزارة التجارة بتوفر الحصة التموينية التي توزعها على المواطنين شهرياً، والتي تضم في أساسياتها الرز والطحين والزيت والسكر. لكن النساء تعاملن مع هذه التصريحات بقلق: “إنهم لا يستطيعون تأمين الرواتب وتصدير النفط توقف، هل يريدوننا أن نصدق أن كل شيء بخير؟” تقول سجا عبد الحسين، أو أم مينا كما يناديها جيرانها في حي الأساتذة وسط بغداد.
جمعت سجا كمية من الرز والطحين والعدس والحمص والمواد الجافة تكفي عائلتها لثلاثة أشهر، ووضعتها في مخزن صغير على سطح المنزل: “لن أستخدمها الآن، بل سأتركها للطوارئ، نحن لا نعلم متى ستنتهي الحرب”، تقول سجا، وتضيف: “كنا نظن أن الحرب ستنتهي قبل العيد، لكن يبدو أن الأمر سيأخذ وقتاً غير معلوم، لذلك أردت أن أكون جاهزة لأي طارئ. ورغم رفض زوجي لما فعلته، لكنني اشتريت براتبي مواداً غذائية وأربع قناني مليئة بالغاز”.

أسعار المواد الغذائية في بغداد ومدن أخرى ارتفعت بعد أيام من أنباء إغلاق مضيق هرمز، رغم أن العراق يعتمد على الطرق البرية بشكل أساسي في تجارته مع دول الجوار التي يستورد منها معظم غذائه، لا سيما تركيا وإيران. بل إن بعض أدوات الطبخ القديمة مثل “الجولة” أو الطباخ النفطي القديم عادت إلى الواجهة مجدداً، وارتفعت أسعارها من عشرة آلاف إلى خمسين ألفاً، أي خمسة أضعاف سعرها، فيما قام آخرون بشراء قناني غاز إضافية بعد ارتفاع أسعارها إلى ضعفين أو ثلاثة في بعض المناطق.

أمل حسن، سيدة أخرى تقطن حي الجهاد غرب بغداد، بدأت استعدادها للحرب بشراء الحطب ووضع تنور من الطين في حديقة منزلها استعداداً لأي طارئ، في حال توسعت الحرب واختفى الغاز من الأسواق. تقول أمل: “يمكنني إعداد الخبز لعائلتي بنفسي إذا ما أصبحت أسعاره مرتفعة في السوق”.
تحمل السيدة الخمسينية في ذاكرتها صوراً مماثلة لحرب عام 2003، حينما أغلقت الأفران أبوابها بعد دخول القوات الأميركية إلى العراق، إذ بقيت عائلتها تعيش على وجبتين من شوربة العدس فقط لمدة أسبوع كامل، وهي لا تريد أن تمر بالتجربة ذاتها. وتقول: “تصريحات الرئيس الأميركي حيّرتنا، تارة أشعر أن الحرب ستنتهي غداً، وأخرى أقول ستستمر شهوراً، ويجب أن أستعد لجميع الاحتمالات”، ثم تضيف: “تحسيه كل ساعة برأي مختلف، والله هذا الرجل دوّخنا”.

تتنقل ذاكرة أمل بين الأمس واليوم في الاستعداد للحرب، فحينما كانت في ربيعها الخامس عشر اندلعت حرب الخليج عام 1991، وكانت حينذاك تقطن في إحدى قرى منطقة الكوفة في مدينة النجف جنوب بغداد. وهي لا تزال تتذكر كيف أنقذهم تنور الطين ورز العنبر من الجوع، لا سيما بعدما فقد نظام صدام حسين السيطرة على تلك المدن قرابة شهر، وانقطعت السبل بالناس بسبب حرب الشوارع بعد التمرد على نظام حكمه.
وتقول: “كنا نخشى الذهاب إلى المدينة لأن القتال كان دائراً هناك، فاكتفينا بالتمر والخبز واللبن والرز، وغيرنا طريقة الطبخ فأصبحنا نطبخ رز العنبر بلا زيت. وحينما تزوجت في بغداد، مررنا بموقف صعب عند احتلال العراق عام 2003 بسبب شح الأفران، لذلك حينما قررنا أنا وزوجي أن نشتري بيتاً طلبت منه أن تكون هناك حديقة في المنزل، حتى لو كان قديماً، واليوم استفدت منها في وضع تنور الطين وتوفير الحطب”.
مازن، زوج أمل، يرى أنها تبالغ في احتياطاتها للحرب بسبب الخوف الذي تخزنه في ذاكرتها، ويقول: “في ذلك الوقت كانت الحرب داخل العراق، أما اليوم فالحرب خارجه، ولن يصل الوضع إلى ما وصلت إليه الأمور في حرب 1991 أو 2003”. تقاطعه أمل محتجة: “أنت ظل بهاي الأفكار، بس عايش على كد يومك”. يضحك مازن بعدما استطاع استفزازها وإثارة غضبها، ثم يقول: “ها شلوني هسه؟”.
في مدن جنوب العراق، تبدو الاستعدادات مختلفة قليلاً عنها في بغداد، فالقرب المكاني لتلك المدن من إيران زرع الخوف في نفوس سكانها من تأثيرات حرب نووية يتوقعونها، لا سيما مدن البصرة والناصرية والعمارة. وباستثناء المنازل القديمة في مدينة النجف التي تحتوي على سراديب عميقة تحت الأرض يمكن الاحتماء بها، لا توجد أية ملاجئ أو مخابئ لسكان مدن الوسط والجنوب في حال حدوث تسرب إشعاعي أو وقوع ضربة نووية أميركية على جارتهم.
وتقول شذى أحمد، وهي سيدة تعيش في أطراف مدينة كربلاء: “بدأت أفكر جدياً بتحصين إحدى الغرف للمكوث فيها عند وقوع ضربة نووية، لكن ابني نصحني باستخدام غرفة لا يوجد فيها شباك، بعد متابعته عدداً من الريلزات على إنستغرام حول الوقاية من التسرب الإشعاعي. لذلك اخترنا الصالة الداخلية الصغيرة التي تقع وسط المنزل، وهيأنا أدوات لحشو الشبابيك الخارجية للبيت حال وقوع الضربة”.

شذى لم تكتفِ بتحضير غرفة للتحصين، بل اشترت مياهاً للشرب وأنواعاً من البسكويت وبعض الخبز الجاف وخزنته للطوارئ، فضلاً عن الفاكهة المجففة، وتقول: “إذا حدثت ضربة نووية، يجب أن نبقى في مخبئنا يوماً كاملاً على الأقل، لذلك جهزت نفسي جيداً لهذه اللحظة”.
بين خزن الطعام وتهيئة مخابئ داخل المنازل وشراء أجهزة الطبخ القديمة، تتنوع الاحتياطات التي تتخذها العراقيات استعداداً لتطورات محتملة للحرب، لكن النساء القاطنات في مناطق العشوائيات أو التجاوز، كما يسميها العراقيون، يبدين اهتماماً أقل بخزن الغذاء والمستلزمات الأخرى.
تقول أم كيان، وهي شابة عشرينية تقطن في أحد التجمعات السكنية العشوائية القريبة من حي السيدية جنوب بغداد، إن زوجها يعمل في مجال البناء، وإن أجره اليومي بالكاد يغطي تكاليف حياتهم اليومية مع طفليهما، ولا يتيح لها رفاهية ادخار الغذاء أو أي شيء آخر، لا سيما وأن الحرب اندلعت في شهر رمضان، وأن زوجها لا يعمل بشكل يومي لكونه صائماً.
تخطط الشابة للذهاب إلى منزل عائلتها في أطراف بغداد إذا ما تطورت الحرب أكثر، وهي تراقب بقلق مرور بعض المقذوفات والطائرات المسيّرة في السماء، لأنها المرة الأولى التي ترى فيها حرباً في حياتها، وتقول: “زوجي يقوم بتصوير السماء حينما تمر مسيّرات أو أي ضوء آخر، فيما أختبئ مع أطفالي داخل غرفتنا الصغيرة”.
أصوات المسيّرات في السماء تخترق وتغطي على صوت أم كيان وهي تتحدث إلينا، وكأنها تذكرها بأن الحرب ما زالت قائمة، فتعتذر لتدخل منزلها مع أطفالها وتقول: “انتهى رمضان ونحن في أول أيام العيد، وسيعود زوجي إلى العمل اليومي مجدداً، وقد ادخر بعض الطعام حينها”.
أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



