ذي قار- مرتضى الحدود
في هور أبو سوباط شرق الناصرية، تقف أم سلمان عند حافة الماء وتطلق نداءً قصيراً نحو قطيعها من الجاموس. بعد لحظات تبدأ الرؤوس السوداء الكبيرة بالتحرك ببطء في اتجاهها، إذ اعتادت هذه الحيوانات الاستجابة للأصوات التي يستخدمها مربو الأهوار لقيادة قطعانهم في هذه البيئة المائية.
هنا لا يُسمع عادة سوى خرير الماء ورفرفة طائر بعيدٍ وأصوات الزوارق وهي تشق طريقها بين القصب. لكن هذا الهدوء يكسره أحياناً صوت بشري غير مألوف، ليس غناءً ولا نداءً تقليدياً، بل إشارة اعتادت الجواميس الاستجابة لها.
تعيش أم سلمان في دارٍ طينية صغيرة. هي امرأة قاربت الستين من عمرها لكنها ما زالت تحتفظ بقوة امرأة أمضت حياتها بين الماء والجاموس. فمنذ أكثر من أربعين عاماً وهي تربي جواميسها في هذه البيئة المائية التي يحتضنها قضاء الجبايش، حيث ترتبط الحياة اليومية بالماء والقصب والماشية.
ترفع أم سلمان رأسها قليلاً ثم تطلق صوتاً قصيراً ممدوداً لا يشبه الكلمات التي يتعلمها الناس في المدارس. إنه صوت صاغته تجربتها ونسجته الأيام الطويلة في الهور، وما إن يتردد صداه فوق الماء حتى تبدأ الجواميس بالتحرك ببطء، إذ تعرف هذا الصوت جيداً.
تبتسم وهي تراقبها تقترب، وكأن بينهما علاقة اعتادت عليها عبر السنوات. فهذه الأصوات لم تُكتب في كتاب ولم تُدرَّس في مدرسة، بل نشأت من الإحساس ومن معرفة طويلة بطبيعة هذه الحيوانات. “لكل صوت معنى، صوتٌ للنداء وآخر للعودة وثالث للتقدم نحو الماء أو الابتعاد عنه” تقول أم سلمان.
وتوضح وهي تشير بعصاها نحو القطيع أن “الجاموس يفهم الصوت أكثر من الضرب، وإذا تعود عليك يعرفك حتى من نبرة النفس”.
تبتسم أم سلمان وهي تواصل حديثها وكأنها تستعيد سنوات طويلة قضتها بين الماء والقطيع في حضيرتهن. “لكل مربٍ طريقته الخاصة في تعليم الجواميس، فالأصوات التي يستخدمها ليست واحدة عند الجميع، ولكل نداء استجابة مختلفة.. هذه الأصوات أشبه بلغةٍ يفهمها القطيع دون غيره”.
وتضيف “كل واحد يقدر يعلّم جواميسه على الصوت اللي يريده… الصوت نفسه يصير أمر”.
لكن الحياة في الهور لا تخلو من المتاعب. أحياناً تخرج إحدى الجواميس عن القطيع وكأنها تنسى طريقها بين الماء والقصب، وعندها تبدأ رحلة البحث الطويلة.
تروي أم سلمان حادثة ما زالت عالقة في ذاكرتها حين انفصلت إحدى الجواميس عن القطيع وابتعدت كثيراً، فتقول وهي تهز رأسها إن “تعبنا يومها.. ساعات طويلة ونحن نبحث عنها بين الماء والبردي، إلى أن وجدناها أخيراً”.
وتوضح أن الأمر ليس دائماً بيد المربي، فمزاج الحيوان يلعب دوره أيضاً. فالجواميس، رغم هدوئها، لها طباعها الخاصة، ولا يمكن فرض الرأي عليها في كل مرة.
وعن تعليمها للأصوات فله حكاية أخرى. تقول إن الجاموسة الصغيرة تتعلم بسرعة، وغالباً لا تحتاج أكثر من شهر حتى تفهم النداءات وتعتاد عليها.
أما الجاموسة الكبيرة التي تُشترى من مكان آخر فالأمر معها مختلف قليلاً، إذ تحتاج وقتاً لتعتاد على صوت صاحبها الجديد، لكنها في الغالب لا تهاجم لأن المربين في الأهوار يعرفون جيداً كيف يتعاملون معها.
غير بعيد عن دار أم سلمان، وعلى ضفة أخرى من مياه هور أبو سوباط، تعيش أم حسين، امرأة أهوارية أخرى تشبه حكايتها حكايات نساء الهور اللواتي تعلمن من الماء والقصب أكثر مما تعلمنه من الكتب.
تجلس قرب باب بيتها المصنوع من القصب، تراقب القطيع وهو ينتشر في المياه الضحلة، وتقول إن تربية الجاموس في الأهوار ليست مجرد عمل يومي، بل علاقة طويلة بين الإنسان والحيوان، وتضيف بابتسامة هادئة إن “إحنا نعيش وياها مثل ما نعيش ويا أهلنا”.
وتؤكد أم حسين أن الأصوات التي يستخدمها المربون ليست صدفة، بل خبرة تتكون مع السنين؛ فكل مربٍ يخلق نداءه الخاص حتى إن الجواميس تستطيع أن تميز صوت صاحبها من بين أصوات كثيرة.
وتوضح قائلة إن “الجاموسة تعرف صوت صاحبها حتى لو كان بعيد، مرات بس أرفع صوتي شوية تلكاها ترفع راسها وتلتفت”.
وتضيف أن الصبر هو أهم ما يحتاجه المربي في هذه الحياة، فتعليم الجواميس على الأصوات يبدأ منذ صغرها، حيث تعتاد الجاموسة الصغيرة على النداءات شيئاً فشيئاً حتى تصبح جزءاً من حياتها اليومية.
تتابع أم حسين حديثها وهي تنظر إلى القطيع المبتعد قليلاً في الماء قائلة إن “بعضها يحتاج أيام وبعضها يمكن أسابيع، لكن بالنهاية تتعود… المهم تعرف شلون تتعامل وياها”.
وتختم كلامها بلهجة الواثق الذي عاش هذه التجربة طويلاً قائلة إن “الجاموس حيوان ذكي، وإذا حس إنك تهتم بيه وتعرفه، يصير بينك وبينه تفاهم حتى لو كان بس عن طريق الصوت”.
رغم بساطة الحياة التي يعيشها سكان أهوار جنوب العراق، تلك الحياة التي ما زالت تحتفظ بكثير من فطرتها الإنسانية وارتباطها العميق بالطبيعة، فإن أبناء هذه المناطق يواجهون تحديات قاسية تهدد وجودهم نفسه. وفي مقدمة هذه التحديات يأتي الجفاف الذي أجبر كثيراً منهم على التخلي عن أقرب الحيوانات إلى حياتهم وأكثرها فائدة لهم: الجاموس.
فمع انحسار المياه واشتداد الأزمة البيئية اضطر العديد من المربين إلى بيع قطعانهم أو فقدوها بسبب الهلاك.
وفق إحصائية رسمية صادرة عن مديرية زراعة ذي قار، نفق أكثر من 14 ألف رأس من الجاموس في المحافظة، إضافة إلى نفوق نحو 85 في المئة من الثروة السمكية نتيجة الجفاف والتغيرات المناخية. وهي أرقام تعكس حجم الكارثة التي تضرب هذه البيئة الهشة وتهدد سبل عيش سكانها الذين يعتمدون على الماء والماشية في حياتهم اليومية.
وفي محاولة للحد من هذه الأزمة، أطلقت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في تموز عام 2022 نداءً عاجلاً لدعم مربي الجاموس وحماية النظام البيئي في قضاء الجبايش، إحدى أهم مناطق الأهوار. وبالتعاون مع الاتحاد الأوروبي وبالتنسيق مع وزارة الزراعة العراقية، تم توفير دعم طارئ لأكثر من خمسة آلاف مزارع ومربٍ للماشية عبر مساعدات متعددة شملت الأعلاف والخدمات البيطرية والدعم الفني.
وفي تموز 2023 وصلت تقارير مقلقة من الفرق الميدانية العاملة على تنفيذ المشروع كشفت عن تدهور خطير في الأوضاع البيئية في الجبايش، فقد انخفض منسوب المياه في نهر الفرات إلى نحو 56 سنتيمتراً فقط، بينما تراوح مستوى المياه في الأهوار بين الصفر و30 سنتيمتراً، وهو ما يعكس حالة جفاف حادة وصلت نسبتها إلى نحو 90 في المئة.
ولم يقتصر الأمر على انخفاض المياه، بل ارتفعت مستويات الملوحة إلى أكثر من ستة آلاف جزء في المليون، ما أثار مخاوف المزارعين، ولا سيما مربي الجاموس وصيادي الأسماك الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه البيئة المائية في معيشتهم.
ووفق بيانات مركز إنعاش الأهوار والأراضي الرطبة العراقية التابع لوزارة الموارد المائية العراقية، فإن نحو 70 في المئة من مساحات الأهوار أصبحت خالية من المياه، في مشهد يعكس أزمة بيئية غير مسبوقة تهدد واحدة من أقدم البيئات الطبيعية في المنطقة.
مع اقتراب الغروب يعود الهدوء مرة أخرى إلى مياه هور أبو سوباط، إذ تتباطأ حركة الزوارق وتبدأ أسراب الطيور بالتحليق فوق القصب، بينما تقف أم سلمان عند حافة الماء تراقب قطيعها وهو يتجمع ببطء قرب الدار الطينية.
ترفع صوتها مرة أخرى بذلك النداء الذي يشبه لغة لا يعرفها سوى أهل الهور وجواميسهم. يتردد الصوت فوق الماء فتلتفت الرؤوس السوداء نحوه كأنها تستجيب لعادةٍ اعتادت عليها بين الإنسان والطبيعة.
لكن خلف هذا المشهد الهادئ تختبئ قصة قلقٍ لا يغادر المكان، فالمياه التي كانت يوماً تغمر هذه المساحات الواسعة لم تعد كما كانت، والقطعان التي كانت تملأ الأهوار بدأت تتناقص عاماً بعد عام.
أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.










