قصص من الشارع

مضارب خفيفة وأحلام كبيرة.. كيف صنعت فتيات ذي قار مجدهن في كرة الطاولة؟

28/03/2026

ذي قار – مرتضى الحدود

دخلت سجى مجيد قاعة التدريب وهي في الثامنة من عمرها، تمسك مضرباً أكبر من يدها بقليل، تجرّب ضربات أولى غير متماسكة، من دون أن تدرك أن تلك اللحظة ستفتح لها طريقاً يمتد إلى بطولات خارجية وميداليات.

في القاعة نفسها، حيث تبدأ الحكايات بضربات خفيفة، لفتت الطفلة الصغيرة انتباه المدرب عقيل جبار، الذي لم يرَ مهارة مكتملة بقدر ما لمس شغفاً يتشكل مع كل محاولة. ومع الوقت، تحولت تلك المحاولات إلى تدريب منتظم، وخطوة بعد أخرى بدأت سجى تشق طريقها داخل اللعبة، وتثبت حضورها في مساحة لم تكن مألوفة للفتيات في ذي قار.

ومن هذه البداية، اتسعت التجربة. لم تعد القصة تخص سجى وحدها، بل امتدت إلى فتيات أخريات وجدن في الطاولة فرصة مختلفة، فانتقلن من القاعة إلى مشاركات خارجية، وعدن بميداليات وضعت المحافظة على خريطة المنافسة.

مع السنوات، واصلت سجى التدريب والمشاركة، حتى أصبحت اليوم في العشرينات من عمرها، تدرس في الجانب التقني الطبي بتخصص الأشعة والسونار، في مسار دراسي يسير بالتوازي مع الرياضة. وبين القاعة والجامعة، تحافظ على إيقاع يومي متوازن، هنا تنافس على الميداليات، وهناك تتابع دراستها.

تستعيد بداياتها قائلة للمنصة: “كانت أولى محطاتي الرياضية على المستوى الدولي في الأردن عام 2017، وخلال بطولة دولية حصدت فيها الميدالية الذهبية، ومن هناك بدأت سلسلة الإنجازات”، وتضيف: “إن كرة الطاولة لم تعد مجرد هواية، بل أصبحت جزءاً مني، تدربت عليها، وتعلمتها، ولا يمكن أن أنفصل عنها”.

خلال مسيرتها، حققت نحو 35 ميدالية توزعت بين الذهبية والفضية والبرونزية، في حصيلة تعكس سنوات من التدريب، ورغم تلقيها عروضاً من أندية مختلفة، اختارت الاستمرار مع نادي غاز الجنوب.

في القاعة نفسها، تبدأ حكاية أخرى، لكنها تعود إلى عمر أصغر. إثمار عقيل حملت المضرب وهي في الرابعة من عمرها، تقول: “علاقتي بكرة الطاولة بدأت مبكراً جداً، لم أكن آتي إلى القاعة كلاعبة، بل كطفلة ترافق والدي. كانت الطاولات تبدو كبيرة، واللاعبون أسرع، لكنني كنت أراقب وأجمع الكرات”.

مع الوقت، انتقلت من المراقبة إلى اللعب، ثم إلى التدريب المنتظم، وفي سن الثامنة دخلت أولى المنافسات ضمن الفئات العمرية. كانت أصغر من كثير من منافساتها، لكنها حققت أول جائزة، لتبدأ بعدها سلسلة من النتائج المتقدمة، وتتذكر تلك المرحلة قائلة: “لم تكن ظروف التدريب مثالية، كنا نتدرب رغم قلة الإمكانيات، ونعمل بما هو متاح”.

شاركت إثمار في 11 بطولة دولية، بدأت ببطولة عالمية في السليمانية، ثم لبنان والأردن، ومع كل مشاركة كانت النتائج تتحسن. في إحدى البطولات حصلت على المركز الثاني، ثم صعدت لاحقاً إلى المركز الأول، قبل أن تُصنف في عام 2022 اللاعبة رقم 11 عالمياً، في إنجاز يعكس مساراً بدأ من قاعة تدريب بسيطة في ذي قار. واليوم، تعيش إثمار، مثل كثير من الرياضيات الشابات، بين الدراسة وطاولة اللعب، محافظة على توازنها بين المسارين.

خلف هذه القصص، يقف المدرب عقيل جبار، الذي تابع هذه الرحلة منذ بدايتها، ويقول للمنصة: “بعد عام 2003، لم يكن تدريب الفتيات في سن صغيرة أمراً مألوفاً في المجتمع”، مشيراً إلى أن الفكرة واجهت تحفظات اجتماعية، لكن مع الوقت، ومع بناء الثقة مع العائلات، بدأت القاعة تستقبل عدداً أكبر من الفتيات.

توسعت التجربة تدريجياً، وتحولت من تدريب محدود إلى مشروع يسعى إلى إعداد لاعبات قادرات على تمثيل المحافظة، ويقول: “كان لدينا هدف واضح، وهو تنمية مهارات اللاعبات واللاعبين ليكونوا تمثيلاً حقيقياً للمحافظة والبلاد”. ومع ظهور النتائج، بدأت العائلات تدفع بأطفالها نحو هذه التجربة.

منذ البداية، وضع المدرب شرطاً واضحاً: الدراسة أولاً، ويضيف: “هذه الألعاب الفردية تحتاج إلى لاعب ذكي ومركز، لذلك كنا نحرص على أن يواصل اللاعب دراسته”.

ومع مرور السنوات، تجاوزت التجربة حدود القاعة. لاعبات ذي قار شاركن في بطولات في كوريا والصين واليابان، وأصبحن جزءاً من المنتخب الوطني، الذي يضم غالباً لاعبتين على الأقل من المحافظة، كما يشير عقيل جبار إلى دور نادي غاز الجنوب في دعم اللاعبات ومساندتهن للاستمرار.

ومنذ عام 2007 وحتى 2026، حققت هذه التجربة 119 ميدالية دولية، كان جزء مهم منها من نصيب اللاعبات.

اليوم، لم تعد القاعة مجرد مكان للتدريب، بل مساحة تبدأ منها مسارات مختلفة، بعض اللاعبات انتقلن إلى أندية أخرى، وأخريات واصلن دراستهن، لكن أثر التجربة بقي حاضراً. أما المدرب، فما زال في المكان نفسه، يراقب الضربات الأولى لجيل جديد، ويقول: “ما زلنا مستمرين في تأهيل اللاعبات”.

في هذه القاعة، تبدأ الحكايات بضربة مضرب، ثم تأخذ طريقها إلى ما هو أبعد.

أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali