قصص من الشارع

“مهنة أمنيّة قبل أن تكون عملاً”.. حكاية صُنّاع المفاتيح في بغداد

01/04/2026

المنصة _ رقية خضير

ينحني عباس فوق ماكينته الصغيرة، يدفع مفتاحاً قديماً داخلها، بينما تتناثر حوله عشرات المفاتيح المعلّقة بأحجامٍ وأشكالٍ مختلفةٍ. يقف زبونٌ على الطرف المقابل، يراقب الحركة المتكررة بعجلةٍ، منتظراً نسخته الجديدة.

عباس فلاح، واحدٌ وخمسون عاماً، يعمل في مهنة صناعة المفاتيح منذ سنواتٍ طويلةٍ. بدأ تعلّم هذه الحرفة على يد رجلٍ مسنٍ كان يعمل معه في شبابه، “قبل ثلاثين عاماً، عند إنهاء الخدمة العسكرية افتتحت محلي الخاص، ورغم كل الظروف لم أترك المهنة التي أحبها”.

مهنة صناعة المفاتيح من أقدم الحرف المرتبطة بالأمن الشخصي، إذ تعود أولى نماذج الأقفال والمفاتيح إلى الحضارات القديمة في مصر وبلاد الرافدين، حيث استُخدمت قطع خشبية بدائية في صنعها قبل أن تتطور لاحقاً إلى أنظمة معدنية أكثر تعقيداً.

يرفع عباس نظره قليلاً عن الماكينة، ويشير إلى جهازٍ حديثٍ بجانبه، قائلاً إن العمل اليوم لم يعد كما في السابق، فمع تطور التكنولوجيا وظهور أجهزةٍ حديثةٍ لصناعة المفاتيح، أصبح لزاماً عليه أن يتعلم استخدام هذه الآلات الجديدة ليستمر في عمله.

ويضيف أن المهنة كانت مقتصرة على أشخاصٍ معنيين، أما اليوم فقد أصبح بإمكان أيّ شخصٍ اقتناء جهازٍ والعمل عليه، مما زاد من المنافسة وقلّل من الرزق.

في العديد من الدول، تُصنّف مهنة نسخ المفاتيح ضمن المهن الحساسة أمنياً، إذ تتطلب في بعض الحالات تسجيل بيانات الزبائن أو الحصول على تراخيص خاصة، نظراً لإمكانية إساءة استخدامها في جرائم السرقة أو الدخول غير المشروع.

يتوقف عباس لحظةً، ثم يقول بنبرةٍ حازمةٍ: “لا أتعامل مع المفاتيح المرسومة على ورقٍ أو المنسوخة على صابونٍ، لأن هذا الأمر يحمل خطورةً كبيرةً، وأرى أن صناعة المفاتيح مهنةٌ أمنيّةٌ قبل أن تكون عملاً، وغالباً ما أحرص على أخذ هوية الزبون ومعلوماته قبل أن أنفذ طلبه”.

بعد لحظاتٍ، يصل عددٌ من الزبائن تباعاً، بعضهم من سكان الحي الذين اعتادوا الوقوف أمام هذا المحل منذ سنواتٍ طويلةٍ، وكأنهم يعرفون المكان أكثر مما يعرفهم.

أبو أحمد، مسنٌّ يبلغ من العمر ستةً وسبعين عاماً، يتقدم بخطواتٍ بطيئةٍ، ويقول إنه يفضل استنساخ مفاتيحه عند عباس لأنه “أمين ومعروف في المنطقة من زمان”، وإنه لا يثق بالذهاب إلى شخصٍ آخر خوفاً من إساءة استخدام نسخةٍ من مفتاح منزله.

مثل عباس، يقف ياسر عماد، اثنان وأربعون عاماً، خلف ماكينةٍ أخرى، محاطاً بمفاتيح مختلفة الأحجام. التحق بالمهنة بعد إكمال دراسته في الهندسة، وهي مهنةٌ ورثها عن أجداده منذ سنواتٍ طويلةٍ.

يذكر ياسر أن المفاتيح تأتي جاهزةً عبر مصادر مختلفة، حيث يتم تجهيزها من مصانع وشركاتٍ محليةٍ، إضافةً إلى الاستيراد من الصين وتركيا، مع إقبالٍ على ماركات إيطالية لما تتميز به من جودةٍ. وفي داخل المحل، يتم صنع أسنان المفاتيح بطريقةٍ يدويةٍ باستخدام الماكينة حسب طلب الزبون، بحيث تتطابق مع المفتاح الأصلي، كما تأتي الأقفال جاهزةً أيضاً من المصانع، ويعمل على تشكيل أسنانها وفق المفتاح.

وشهدت صناعة الأقفال والمفاتيح تحولاً كبيراً خلال العقود الأخيرة مع دخول الأنظمة الإلكترونية، مثل الأقفال التي تعمل بالبصمة أو الرمز السري، إلا أن تقارير شركات أمنية عالمية تشير إلى أن معظم هذه الأنظمة ما تزال تحتوي على مفاتيح ميكانيكية احتياطية تُستخدم في حالات الطوارئ.

يواكب ياسر التطور من خلال تركيب الأقفال الإلكترونية التي شهدتها الأبواب الحديثة في السنوات الأخيرة، لكنه يؤكد أن معظم زبائنه يفضلون المفتاح التقليدي، فالأقفال الالكرونية عرضة دوماً لخلل في النظام أو نفاد البطارية، “في تلك اللحظة لا ينفع الرمز أو البصمة، ويكون المفتاح الحديدي هو الحل”، يؤكد ياسر.

يشير صانع المفاتيح إلى أنه لا يستطيع تعليم أيّ كان أصول وأسرار هذه المهنة، “ليس لقلة الرغبة، بل لأن الأمر ينطوي على مخاطر.. لذا أحرص على تدريب الأشخاص الذين أثق بهم فقط”.

ويضيف أن عمله يخضع لرقابةٍ من قبل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ومديرية مكافحة الإجرام، نظراً لحساسية المهنة، مما يجعله أكثر حذراً في مسألة تدريب أيّ شخصٍ جديدٍ.

أم أيمن، شابةٌ في الخامسة والعشرين، تصل إلى المحل وتطلب نسخ مفاتيح لبيتها، قائلةً: “إن جميع أفراد عائلتي يخرجون صباحاً لعملهم ويعودون بأوقاتٍ مختلفةٍ، لذلك أحتاج إلى نسخٍ أكثر لكي أعطي كل واحدٍ منهم نسخةً”. تنتظر دقيقتين، قبل أن يسلّمها ياسر خمسة مفاتيح.

أم زينب، وخلال تواجدنا في المحل، تزور ياسر وتطلب منه أن ينسخ مفاتيح منزلها. يبدأ بالعمل، وبابتسامةٍ هادئةٍ تقول: “إنه شخص محترم ومعروف في منطقتنا، وإننا لا نثق إلا به لنسخ مفاتيحنا”، مضيفةً أنها تشعر بالراحة والأمان في التعامل معه.

على بعد أمتارٍ قليلةٍ، يقف أبو علي، رجلٌ ستينيٌّ يمتلك محلاً لصناعة المفاتيح في أحد أزقة الكرادة. بدأ عمله في التسعينيات وارثاً المهنة عن أسرته التي عُرفت بإتقانها صناعة المفاتيح والأقفال.

يمرر يده على مجموعة مفاتيح قديمة، ويشير إلى إتقانه الحرفة منذ صغره، إذ قضى عمره بين رائحة الحديد حتى أصبحت المفاتيح جزءاً من يومياته وذاكرته. ويُعدّ هو المعلم الأول لياسر، فهو عمه قبل أن يكون أستاذه، إذ علّمه المهنة وغرس فيه الصبر والدقة وحفظ أمانات الناس.

اليوم، يكتفي أبو علي بالذهاب إلى محله لتفقد العمل، ولم يعد يتولى إدارته بنفسه، إذ بات العمال الذين درّبهم هم من يديرون تفاصيله اليومية.

مع تجاوز عقارب الساعة التاسعة مساءً، تبدأ أصوات المكائن بالخمود شيئاً فشيئاً، فيسحب عباس المفتاح الأخير من الماكينة، ويطفئ الجهاز، بينما يغلق الآخرون أبواب محالهم.

يعودون إلى منازلهم بعد يومٍ طويلٍ، قضوه في مهنةٍ عمرها مئات السنين، لكنها ما زالت حتى اليوم تحفظ للناس أمان بيوتهم، وتمنحهم شعوراً لا يُرى.. لكن لا يُستغنى عنه.

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali