في شارع السعدي وسط مدينة البصرة، تقف بناية المكتبة المركزية العامة شاهداً على ذاكرة المدينة. يكتنف مدخلها جداريتان، إحداهما لثور مجنح آشوري والأخرى لمشهد الجسر الإيطالي وهو يعانق النهر، تعلوهما لافتة زرقاء يحفظها الطلبة والمثقفون عن ظهر قلب. يمرون تحتها كما مروا منذ عقود، دون أن يدركوا تماماً أن المكان الذي احتضن أجيالهم بات في قلب نزاع قانوني وشعبي قد ينهي وجوده في هذا الموقع إلى الأبد.
تستقبل الزوار عند العبور من البوابة حديقة يبدو جمالها البسيط أكثر هشاشة من أي وقت مضى. تتوزع فيها شجيرات مهملة وغير متساوية، يلتف بعضها حول حوض مياه تشقق حجره وتراكم عليه الغبار وهجرته الأسماك منذ سنوات، بينما تتشبث شجرة سدر بجدار المبنى القديم، رغم احتراق أحد أغصانها الممتدة. وفي الجانب الآخر من الحديقة ترتفع نخلة طويلة ثابتة في مكانها منذ عقود.

على أرض هذه الحديقة أُقيمت على مر السنين معارض للكتب، بينما تحتفظ الحديقة الخلفية بأراجيح ولعب أطفال ما زالت قائمة وإن باتت أقل صخباً، وشهدت عروضاً مسرحية استضافت أطفال المدينة وعائلاتهم. وخلف هذا المشهد، يتمركز مبنى المكتبة في انتظار قرار يحدد مصيره.
بدأت حكاية هذا الصرح عام 1936، حين تأسست نواته الأولى تحت اسم “مكتبة المعارف” في دار صغيرة بشارع العزيزية، لا تتجاوز محتوياتها أربعة آلاف كتاب. انتقلت بعدها مرات عدة، وحملت في إحدى مراحلها اسم “مكتبة اللواء المركزية” قرب دوائر المحافظة، إلى أن استقرت أخيراً في مبناها الحالي عام 1982، لتحمل اسمها الرسمي “المكتبة المركزية العامة”.
تخضع المكتبة لتنظيم المكتبات العراقية الصادر عام 1996، ومنذ ذلك الحين يشكل هذا المكان، كما يصفه مديرها الأستاذ مراس عبد السلام السويدي: “أحد الشواخص والشواهد القيّمة لثقافة المدينة وللمشهد الثقافي كمؤسسة”. وقد مر بهذا الصرح الثقافي أبرز أدباء البصرة، ابتداء من شاعر التجديد بدر شاكر السياب، وصولاً إلى القاص محمد خضير والشاعر كاظم الحجاج.
خلف الواجهة القديمة للمبنى، لا يوجد عدد ثابت من “القاعات” بقدر ما توجد شعب متعددة الاستخدام، أبرزها قاعتان تتمتعان باستقلالية نسبية، وتُستثمران للمطالعة وإقامة الورش والدورات التدريبية ولطلبة السادس الإعدادي والجامعات، إضافة إلى قاعة مخصصة للأطفال فيها مكتبة قصصية ومرسم ودورات صيفية في الحاسوب واللغات، ومساحات خارجية في الحديقتين الأمامية والخلفية تُستغل لإقامة المعارض والمهرجانات الفنية.
أما حجم المقتنيات فيتجاوز 40 ألف كتاب، مصنف وفق نظام ديوي العشري ضمن تصنيفاته العشرة الرئيسة التي تغطي مختلف العلوم، من الفلسفة والأديان إلى القانون والهندسة والتاريخ والجغرافيا، إلى جانب قسم خاص بمؤلفات البصرة ومؤلفيها.
وتحتفظ المكتبة بأربع عشرة مخطوطة، سبع منها مجلدات أصلية وسبع نسخ مصورة عن مخطوطات أصلية، أقدمها يعود لنحو 500 عام، وتتوزع موضوعاتها بين الدين والشعر والجغرافيا والتاريخ.

كما تضم ما يعرف بـ”أمهات الكتب” النادرة التي يراوح عمرها بين 100 و200 عام في التاريخ والطب والجغرافيا، وهي محفوظة في أرشيف ورقي وإلكتروني موثق. وتشهد المكتبة إقبالاً متفاوتاً، إذ قد تستقبل في يوم واحد خلال العام الدراسي زيارات لخمس مدارس تضم كل منها مئات الطلبة، بينما تكون الأعداد في أيام أخرى بالعشرات فقط. ويعمل فيها عدد متغير من الموظفين يتراوح بين 40 و50 موظفاً، بتخصصات تشمل علم المكتبات والحوسبة والإدارة والفنون.

لكن أخطر ما مر على المكتبة كان عام 2003. ففي الأيام التي سبقت دخول القوات البريطانية إلى البصرة، كانت أمينة المكتبة الراحلة عالية محمد باقر، التي ولدت عام 1952 في منطقة المعقل، تخشى أن يطال القصف مقتنيات المكتبة الثمينة، فطلبت من محافظ البصرة في ذلك الوقت السماح لها بنقلها إلى مكان أكثر أماناً، فقوبل طلبها بالرفض.
“المكتبة ليست مجرد جدران وبناية، بل جزء من ذاكرة البصرة الثقافية، ومن حقّ أهلها أن تصان ذاكرتها وأماكنها التي احتضنت العلم والثقافة لأجيال”
لم تكترث عالية لذلك الرفض، وبدأت تنقل الكتب ليلاً بمفردها، وحين هرب المسؤولون مع دخول القوات إلى المدينة، تكاتف معها موظفو المكتبة وأهالي الحي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
تروي شيماء سالم، معاونة مدير المكتبة اليوم والتي كانت من الموظفات الحاضرات وقتها، تلك اللحظات بصوت لا يزال يحمل أثرها بعد أكثر من عشرين عاماً: “كل من أخذ له وجبة من الكتب خزنها ببيته، وست عالية نفس الحالة، وساعدنا مطعم آدم المجاور”.

ورغم كل الجهد، احترق جزء كبير من المكتبة بعد أسبوع من عملية الإنقاذ، في حريق غامض لم تعرف أسبابه حتى اليوم. تقول شيماء: “بس أغلب الكتب احترقت، لأن ما لحگنا وما فرغنا المخازن كلها”.
أصيبت عالية بأزمة قلبية إثر هول الصدمة، وبعد تعافيها عادت لتنقل ما تبقى من الكتب من مطعم الجوار إلى بيتها، وخبأتها هناك أشهراً قبل أن تعيدها إلى مبنى المكتبة بعد إعادة إعماره بمساعدات من منظمات ثقافية عالمية.
صارت قصتها لاحقاً مادة لكتابين، وتحولت إلى واحدة من القصص المعروفة عن إنقاذ الكتب خلال حرب العراق. تقاعدت عالية عام 2015، وتوفيت بعد سنوات قليلة، وما تزال شيماء تتحدث عنها بحنان من فقد أماً: “ما نعتبرها كمديرة، نعتبرها أم، علمتنا وعرفتنا شنو المكتبة”.

اليوم، بعد أكثر من عقدين على تلك الحادثة، تجد المكتبة نفسها أمام تهديد من نوع مختلف تماماً. فقد تداول ناشطون وطلبة من البصرة بياناً نشرته قناة المربد، رفضوا فيه ما وصفوه بإحالة بناية المكتبة إلى الهدم وتحويلها إلى مشروع استثماري، معتبرين أن “المكتبة ليست مجرد جدران وبناية، بل جزء من ذاكرة البصرة الثقافية، ومن حقّ أهلها أن تصان ذاكرتها وأماكنها التي احتضنت العلم والثقافة لأجيال”. وانتشر البيان على مواقع التواصل الاجتماعي وتناقلته صفحات إخبارية محلية، وسط حالة من الغضب الشعبي.
يرى الباحث عادل هاشم علي، المختص بالتراث والتاريخ الثقافي، أن قيمة مؤسسة كهذه تتجاوز كونها مجرد مبنى إلى كونها منصة معرفية شاملة، تجمع مختلف التخصصات وأصناف المعرفة وتخدم الباحثين والأساتذة والطلبة وعامة أبناء المدينة والزائرين من خارجها، لتمثل بذلك جزءاً أساسياً من “الذاكرة الجمعية للمدينة”.
ويحذر الباحث من أن هدم مثل هذه الصروح أو إزالتها “يؤدي إلى محو الهوية التراثية الحقيقية للمدينة وتجريدها من عمقها التاريخي أمام زوارها وأهلها”، مشيراً إلى أن معالم كهذه قد تواجه محاولات لتحويلها إلى مشاريع استثمارية نتيجة إهمال قيمتها الثقافية.

ويرى أن إلغاء هذه المؤسسات يجعل تاريخ البصرة “حبيس الكتب والمصادر التوثيقية فقط بدلاً من أن تكون مدينة حاضرة ومعالم حية”. ويقترح ربط هذه المؤسسات بالحراك الثقافي القائم في أماكن مثل شارع الفراهيدي لإعادة الحياة إليها بدلاً من هدمها.
غير أن الصورة، بحسب من هم أقرب إلى الملف من داخل المكتبة، أكثر تعقيداً مما ظهر في التداول الأول للقضية. يوضح المدير مراس السويدي أنه لا يوجد قرار إداري بالهدم بالمعنى الذي انتشر، بل دعوى قضائية قديمة رفعها مالك الأرض مطالباً باستردادها، بعدما تبين أنها ليست ملكاً للدولة كما كان يُعتقد.
ويتابع السويدي: “أرض المكتبة حكومية بالاسم لكن عليها دعوى قضائية من المالك الجديد المطالب بالإخلاء، بعد مصادرتها سابقاً واسترجاعها عبر القضاء”.
ويضيف أن البناية نفسها، التي شُيدت قبل انتقال المكتبة إليها بسنوات، “آيلة للسقوط” بحسب كشف هندسي سابق، ولا يمكن ترميمها فعلياً، فيما تعود ملكية الأرض إلى جهة أخرى.
ويشرح الأرشيفي في المكتبة هادي حسن خلفية الأرض بتفاصيل أدق، بحسب المعلومات المتوافرة لديه، مؤكداً أنها كانت في الأصل ملكاً لعائلة كويتية، وأن المحافظة كانت تدفع إيجارها لسنوات طويلة قبل أن تنتقل ملكيتها بالبيع إلى أحد المستثمرين العراقيين. ويصحح ما تردد بشأن طبيعة الاستثمار المزمع بشيء من الانفعال: “هذا اللغط اللي انتشر بالتواصل الاجتماعي، الناس ما عندها علم إن هذا العقار مو تابع للدولة من الأساس، وحتى الصلاة لا تتم به ولا تقبل لأنها بأرض مغصوبة”.
أما سجى قاسم، وهي من أحدث الموظفات انضماماً إلى ملاك المكتبة، فتنظر إلى احتمال الرحيل عن المكان بحزن واضح: “هو بغض النظر أكيد قرار محزن، يعني كلنا ضايجين”، لكنها تستدرك بأمل حذر: “نتأمل خير أنه المكان اللي راح ننتقل له نگدر نرجع وضعنا بيه نفسه”.
“أرض مكتبة البصرة حكومية بالاسم لكن عليها دعوى قضائية من المالك الجديد المطالب بالإخلاء، بعد مصادرتها سابقاً واسترجاعها عبر القضاء”.
أما شيماء سالم فتختصر شعورها بجملة تحمل ثقل السنين التي قضتها هناك: “طبعاً ضايجة، هذا مكانه وهذا تاريخ، اشتغلنا بيه عمر”.
ويتفق مدير المكتبة نفسه مع هذا الإحساس رغم موقعه الإداري، إذ يقول: “أي شخص يتألم ويحن للذكريات عند مغادرة مكان عاش فيه، لكن المؤسسة مستمرة وستبقى تؤدي دورها أينما كان موقعها”.

وفي الشارع، بعيداً عن أروقة الإدارة، يحمل الرواد القدامى للمكتبة مشاعر مشابهة، وإن كانوا أقل دراية بتفاصيل الملف القانوني. يقول عبد العزيز الربيعي، الشاب الثلاثيني وأحد رواد المكتبة منذ سن الخامسة عشرة، والذي يصطحب ابنته إليها أحياناً، إن سماعه بخبر الهدم “أصابني بالإحباط واليأس الكبير، وشعرت بأني سأفقد شيئاً عزيزاً جداً على قلبي”، متمنياً أن يُطوّر المبنى بدلاً من أن يُستبدل بمكان آخر.
بحسب معلومات حصلنا عليها من إدارة المكتبة، فإن التسوية المطروحة حالياً تتضمن انتقالاً مؤقتاً إلى بناية أخرى تعود ملكيتها للمحافظة قرب الشارع العام، ريثما يُنشأ مبنى جديد للمكتبة، من دون أن تتضح بعد ملامح هذا المشروع البديل أو موعده.
وفي محاولة للوقوف على الموقف الرسمي، تم التواصل مع أكثر من مصدر في ديوان محافظة البصرة، لكن الرد جاء موحداً بأن المتحدثين “غير مخولين بالتصريح الإعلامي” بخصوص هذا الملف.
كذلك لم يصل، حتى لحظة إعداد هذا التقرير، أي رد من شركة النرجس، الجهة التي تردد اسمها في البيان الطلابي كطرف في المشروع الاستثماري المفترض.
بين بيان طلابي غاضب يتحدث عن هدم صرح ثقافي، وموظفين يعيشون الملف يومياً ويصفونه بأنه نزاع ملكية قديم تجاوز أعمارهم الوظيفية، تبقى المكتبة المركزية العامة معلقة في مكانها، بجدرانها التي شهدت جيلاً بعد جيل من القراء، وبذاكرة عالية محمد باقر التي ما زالت حاضرة في حديث كل من عمل معها.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



