فاطمة كريم – بغداد
في أحد أروقة محكمة الأحوال الشخصية في بغداد، جلست فادية تحتضن طفليها بشدة بينما ترتجف أصابعها وهي توقّع على أوراق قضائية تعلم أنها سلبت منها أولادها. عيناها كانتا معلّقتين على القاضي، ودموعها تنساب بلا توقف وهي تهمس: “مستحيل أستطيع العيش من دونهم”.
فادية محمد (اسم مستعار)، سيدة في الخامسة والثلاثين من عمرها، تسكن في بغداد وتعمل خياطة في منزل والديها، حيث تخيط ملابس نسائية وأقمشة مفروشات. فتحت مشروعها حينما تطلقت من زوجها في عام 2021 بعد زواج دام قرابة عشرة أعوام. لم يكن الطلاق وحده الحمل الثقيل على كاهلها، بل نظرات المجتمع وكلام الأقارب والناس. حتى في منزل والديها كانت تعيش تحت ضغط يوميّ وكأنها هي المذنبة.
تجلس فادية على كرسي الانتظار داخل المحكمة تحتضن أطفالها (زهراء 7 سنوات، وعلي 9 سنوات) وكأنها تنتظر قرار الإعدام. بصوت يائس كانت تقول: “عملت في الكثير من الأعمال المنزلية حتى أوفر لقمة العيش لأطفالي ولا أجعلهم يحتاجون إلى أحد، حتى والدهم. أما الآن فالقانون يسلبهم مني ويمنعهم من العيش معي”.

عاشت فادية خلال الأشهر الأخيرة في خوف مستمر، بعد أن سمعت أن التعديلات الجديدة على قانون الأحوال الشخصية تسمح للأب بالمطالبة المبكرة بالحضانة وفقًا لتفسيرات دينية. تقول: “مرت أشهر عدة أنام وأنا خائفة… أدعو في كل وقت بعدم تطبيق القرار”.
المشهد لم يكن استثناءً، بل صار مرآة لواقع جديد يعيشه عدد متزايد من النساء العراقيات بعد تعديل قانون الأحوال الشخصية الأخير، الذي أثار جدلاً واسعاً في الشارع العراقي، خصوصاً فيما يتعلق بالحضانة والإرث وسن الزواج.
بعد أكثر من ستة عقود على تشريع قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، صوّت مجلس النواب العراقي في أواخر آب/أغسطس 2025 على إدخال “المدونة الجعفرية” ضمن القانون ذاته، بعد نقاشات سياسية وقانونية مثيرة للجدل.
المدونة الجديدة التي تضم 337 مادة وُصفت من قبل مختصين بأنها مجحفة بحق النساء، إذ لم تراعِ بعض موادها الحقوق الإنسانية والمدنية، بل جاءت – وفق منتقدين – لسلب كثير من المكاسب التي نصّ عليها القانون السابق. وجاء تمريرها تحت ضغط قوى سياسية ودينية شيعية اعتبرت اعتمادها خطوة “تصحيحية” تتيح تطبيق أحكام المذهب الجعفري في قضايا الأسرة، فيما وصف معارضون جلسة التصويت بأنها غير مكتملة النصاب وأن التعديل أُقرّ على عجل ودون نقاش وطني واسع.
المحامي علي التميمي يعلّق على المدونة قائلاً: “التعديلات الأخيرة فعلاً وضعت الأمهات في موقف هش، لأنها فتحت الباب لتأويلات تتيح سحب الحضانة من الأم حتى بوجود ظروف أفضل عندها. وهذا يخلق ظلماً حقيقياً للطفل قبل الأم”.
القانون رقم 188 لسنة 1959 كان بمثابة مرجع موحّد للمسلمين في العراق، إذ جمع بين المذاهب في إطار واحد، واحتفظ بسمات إصلاحية بارزة مثل تقييد تعدد الزوجات، وتحديد سن الزواج بـ18 عاماً، وضمان حقوق المرأة في النفقة والحضانة. أما التعديل الأخير، فهو لم يلغِ القانون، بل أضاف خياراً جديداً، حيث يستطيع المواطنون الشيعة اختيار الخضوع للمدونة الجعفرية عند تسجيل عقد الزواج أو عبر طلب لاحق في المحكمة.
لم تكن تعلم سارة ماجد، وهي ترتدي فستان زفافها الأبيض عندما كانت في الحادية والعشرين من عمرها، أنّ الحياة تخبئ لها وجعًا لا يشبه ما قرأته في القصص ولا ما سمعته من الحكايات. لم يدم زواجها سوى أشهر قليلة حتى خرجت منه بطفل وحيد لا يتجاوز عمره 40 يوماً، قررت بعدها التفرغ لتربيته حتى بلغ اليوم ثماني سنوات.
بعد مرور سنوات تصفها بـ”الثقيلة”، كانت فيها سارة أماً وأباً لطفلها “مهيمن”. تحملت ملامة أسرتها وكرست نفسها لرعايته. تقول: “برغم كل الانكسارات، كان يهون عليّ الأوجاع ويبث الأمل في قلبي”.
وتضيف: “لم يشاركني طليقي يوماً واحداً مسؤولية تربية طفلنا، واختفى لسنوات برغم أنه يدفع نفقته التي تعادل 200 دولار أمريكي شهريًا. لم يره إلا عندما بلغ أربع سنوات، حيث كان حضوره إلزاميًا لإصدار جواز سفر للطفل، ثم اختفى مجدداً لدرجة أنهما إذا التقيا في الشارع لن يتعرف كل منهما على الآخر”.
احتضنت سارة طفلها ولم ينازعها على حضانته طليقها أبدًا، لكن بمجرد التصويت على “المدونة الشرعية للفقه الجعفري”، وبعد سنوات من القطيعة وتربية طفلها بمفردها، أرسل لها طليقها رسالة غامضة يقول فيها: “ما راح آخذ مهيمن بس، راح آخذ حتى روحج”. وحين سألته عن قصده، صدمها برده: “أريد ابني… وسآخذه للعيش مع إخوته في ذي قار”.
تروي سارة: “صعقتني رسالته، فقد كانت أشبه بضربة على رأسي. أين كان هذا الأب حين كنت أسهر الليالي على بكاء طفلنا؟ وأين كان حين كنت أقطع لقمة العيش التي آكلها لأوفر له الدواء والدفء؟ هل يتذكر وجه ابننا أصلًا؟ بعد كل هذه السنوات يريد أن يأخذه؟”. ثم تستطرد: “لا القانون ولا المدونة الجعفرية ولا أي قوة في العالم يمكنها أن تسلبني ولدي. سألجأ إلى العرف العشائري بمساندة عائلتي”.
“التعديلات الأخيرة وضعت الأمهات في موقف هش، وفتحت الباب لتأويلات تتيح سحب الحضانة من الأم حتى بوجود ظروف أفضل عندها، وهذا يخلق ظلماً حقيقياً للطفل قبل الأم”.
منذ إقرار المدونة، ظهرت شهادات تفيد بأن رجالاً لجأوا سراً إلى تغيير عقود زواجهم من القانون الموحّد إلى المدونة الجعفرية، خصوصاً في حالات الخلافات الزوجية. نساء أكدن أن أزواجهن تمكنوا من التحويل من دون علمهن، مستفيدين من ثغرة قانونية تمنح الزوج وحده حق الاختيار. ويعتبر ناشطون أن هذا التلاعب يُخلّ بجوهر عقد الزواج، الذي يُفترض أن يقوم على إرادة الطرفين لا طرف واحد فقط. ويؤكد قضاة حاليًا أنهم يخيّرون الزوج بين القانونين عند العقد، لكن المخاوف تكمن في إمكانية السماح بالتحويل لاحقًا بشكل منفرد.
قصة سارة ومثيلاتها تختصر واقعاً معقدًا تعانيه النساء العراقيات في أعقاب تعديل قانون الأحوال الشخصية، الذي أتاح تطبيق المدونة الجعفرية على نطاق أوسع بعد أن صوّت عليها مجلس النواب العراقي في 27 آب/أغسطس 2025.
وتنص المدونة في المادة 81 على أن يبقى المحضون لدى أمه حتى سن السابعة فقط، ثم تنتقل الحضانة إلى الأب بذريعة أن تلك المرحلة من عمر الطفل (فترة البلوغ والمراهقة) تحتاج إلى رعاية الأب الصارمة أكثر من الأم. أما قانون الأحوال الشخصية قبل التعديل فكان يمنح الحضانة للأم حتى سن العاشرة، مع حق المحكمة في تمديدها حتى الخامسة عشرة إذا اقتضت مصلحة الصغير ذلك. وفي سن الخامسة عشرة يُخيّر الصغير في الإقامة لدى من يشاء من أبويه أو أحد أقاربه حتى سنّ الثامنة عشرة إذا آنست المحكمة منه الرشد. فضلًا عن ذلك، تسقط حضانة الأم قبل السابعة إذا تزوجت، وإن تطلقت لاحقاً لا تعود إليها الحضانة ثانية وفق المادة 83 من المدونة الجعفرية.
المدونة تُعدّ من القوانين النادرة في العراق التي يمكن تطبيقها بأثر رجعي، إذ يتيح التعديل إعادة فتح عقود زواج وأحكام سابقة وإخضاعها لأحكام المذهب الجعفري. هذا الأمر أثار انتقادات واسعة من منظمات حقوقية وقانونيين، الذين يرون أنه يفتح الباب أمام نزاعات جديدة بدل أن يحلّها. كما أن مواد المدونة نفسها أثارت اعتراضات شديدة، خصوصًا المتعلقة بالنفقة والمؤخر والميراث، والسماح بتعدد الزوجات من دون موافقة الزوجة الأولى. في المقابل، يؤكد مشرّعون أن الغاية المعلنة من المدونة هي “الحفاظ على الأسرة”، لكن ناشطات وصفنها بأنها “ذكورية” تمنح الرجل امتيازات واسعة على حساب المرأة.
“أين كان هذا الأب حين كنت أسهر الليالي على بكاء طفلنا؟ وأين كان حين كنت أقطع لقمة العيش التي آكلها لأوفر له الدواء والدفء؟ هل يتذكر وجه ابننا أصلًا؟ بعد كل هذه السنوات يريد أن يأخذه؟”
المحامي محمد جمعة يخشى من تداعيات إقرار هذه المدونة، ويقول إن النساء اللواتي خسرن حياتهن الزوجية وانحدرن من بيئات تضطهد المرأة لخصن حياتهن بتربية أبنائهن. ويضيف: “من أكثر الجمل التي أسمعها وتصلني في رسائل النساء (أقتل نفسي، أو أنتحر إذا أخذوا ابني مني). لا شك أن تفكير هؤلاء النساء بالموت يعكس حجم الخطر. هذا التعديل سيؤدي حتمًا إلى ارتفاع معدلات الانتحار بين النساء”.
الشيخ محمد مهدي الصرخي، وهو مرجع شيعي بارز في بغداد، يتحدث عن القانون قائلاً: “أي تعديل يحد من حقوق المرأة في الإرث أو الحضانة لا يمكننا دعمه، لأن الإسلام ينصف المرأة في هذه المسائل. وعندما يُمنح رجال الدين وحدهم الحق في وضع القوانين، فإن ذلك يعرضها للانحراف بعيدًا عن المنطق الشرعي العادل”.
رغم أن الأضواء سُلّطت على معاناة المطلقات وحضانتهن للأطفال، إلا أن الظلم لم يتوقف عند هذا الحد. النساء اللواتي لهن حق شرعي في الإرث وجدن أنفسهن أمام نصوص تضعف نصيبهن. كثيرات شعرن بالخذلان وخيبة الأمل، واعتبرن أن القانون سلبهن ما كفله لهن الشرع والدستور معاً.
هدى عامر، وهي في الثانية والأربعين من عمرها، بدأت قصتها بعد وفاة والدها في بغداد العام الماضي. في ظل القانون السابق كانت تنتظر أن تنال نصيبها الشرعي، لكن التعديلات الأخيرة فتحت الباب لتطبيق تفسيرات دينية متشددة قلّصت حصتها بشكل كبير. تقول هدى: “كنت أتوقع أن أؤمّن مستقبل أولادي من إرث أبي.. تفاجأت أن حصتي انخفضت للنصف تقريبًا بعد أن أُحيلت قضيتي إلى مدونة شرعية”.
قاضٍ في محكمة استئناف بغداد – فضل عدم ذكر اسمه – أوضح أن “المواد الجديدة أوجدت تضارباً في الأحكام، وبعضها يعتمد على اجتهادات مذهبية قد لا تنصف المرأة، خاصة في قضايا الإرث”.
هدى حاولت أن تطعن بالقرار مستعينة بمحامٍ، لكن التعديلات الأخيرة منحت مجالاً أوسع لتفسيرات دينية ضيّقت حقوق المرأة. تضيف بحرقة: “القانون جعلني غريبة، كأن لا وجود لي. أولادي صغار وأنا بحاجة إلى أن أوفر لهم سكناً وأماناً، لكن اضطررت إلى الخروج من منزل عمره سنين لأن حقي انسلب بنص قانوني!”.
وبينما يرى المؤيدون أن المدونة تعزز حرية المذهب وتسمح لكل طائفة بتطبيق أحكامها الشرعية، يحذّر المعارضون من أنها قد تؤدي إلى انقسام قانوني داخل العائلة الواحدة وإرباك عمل القضاء. كما أن تمريرها وسط هذا الجدل ومن دون توافق وطني يزيد من الشكوك حول مستقبل وحدة التشريع الأسري في العراق، الذي كان يُعدّ لعقود طويلة أحد أكثر النماذج تقدماً في المنطقة.
قصص فادية وسارة وهدى، وغيرهن كثير من النساء العراقيات، تكشف أن القانون الجديد ليس مجرد نصوص جامدة في دفاتر المحاكم، بل صار كابوساً يومياً يهدد الأمهات والأرامل والمطلقات في حياتهن وحقوقهن. وبين حضانة تُنتزع، وإرث يُسلب، ونفقة تُعطّل، تجد المرأة العراقية نفسها وحيدة في مواجهة مجتمع وقانون يضاعفان معاناتها.
أنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج قريب، وهو برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



