البصرة- نغم مكي
مع اقتراب شهر محرم، يتبدّل وجه البصرة. في الأسواق الشعبية، يتزاحم المتبضعون بين محال الأقمشة السوداء، والرايات، وأدوات الضيافة، وما تحتاجه المواكب من قدور وأكواب وصحون وعلب توزيع. تمتد الأعلام السوداء فوق الأزقة والطرقات، وتعلو من مكبرات الصوت قصائد حسينية تختلط بأصوات الباعة وحركة الناس. في كل حي تقريباً تُنصب خيمة عزاء، أو مائدة مغطاة بشرشف أسود، عليها مشروبات باردة وساخنة تُقدَّم للمارّة إحياءً لذكرى عاشوراء، التي توافق العاشر من محرم، يوم قُتل الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، حفيد النبي محمد، في كربلاء عام 61 للهجرة/680 للميلاد.

في الموفقية، أحد أكبر الأحياء في وسط المدينة، تجلس أم حسين، وهي سيدة في نهاية عقدها الخامس، في مجلس عزاء قريب من بيتها. تستهل حديثها بالقول: “إحنا تربينا على هاي الشغلات من الزغر”، مستعيدة حسينية العائلة التي كان والدها، رحمه الله، ينظم فيها عزاء الرجال كل عام.
تتذكر أم حسين كيف كانت “التوزيعة” في السابق بسيطة: صحن معدني يحمل شوربة أو هريسة، بلا زخرفة ولا اسم مطبوع. أما اليوم، كما تقول، فالعلب الفاخرة والأكياس المكتوب عليها “يا حسين” و“يا عباس” توزع بسخاء، لكنها غالباً ما تنتهي مرمية في الشارع قبل أن يُفتح غطاؤها.
في سوق البصرة القديم، يقف أبو حيدر خلف طاولته الصغيرة المكدسة بالعلب والأواني ذات الاستخدام الواحد، في مهنة يمارسها منذ أربعين عاماً. يحمل وجهه تعب الانتظار أكثر مما يحمل فرح البيع. يقول إن الإقبال هذا العام “لا بأس به”، لكنه أقل من العام الماضي، لأن السلعة غالية، وأغلبها مستورد من إيران، فيما يوجد البديل العراقي لكنه، في نظر الزبائن، أقل جودة.

يعزو أبو حيدر ارتفاع الأسعار إلى الحرب الإيرانية، وإغلاق مضيق هرمز، وتراجع الاستيراد. يقطع حديثه فجأة ليفاوض زبوناً على سعر أطباق النايلون، ثم يعود ليكمل أن أكثر المشترين هم أفراد عاديون، لكن الإقبال يزداد في يوم العاشر من محرم وفي موسم “الدفنة”. وبرأيه، كانت عاشوراء “أفضل سابقاً”.
على بعد أمتار، يقف مهدي جمال، الشاب البالغ من العمر اثنين وعشرين عاماً، خلف بضاعة أكثر تنوعاً ورث تجارتها عن عائلته: شموع مزخرفة بالدانتيل، صواني توزيع، سفريات، أكياس، وملاعق نايلون، إضافة إلى بضائع مستوردة من الصين وإيران وتركيا.
يتفق مهدي مع أبو حيدر في أن التعرفة الجمركية ترفع الأسعار، وأن الشراء يتراجع كلما ارتفع السعر، لكنه يختلف معه في تقييم الأجواء العامة. يقول إن “أجواء محرم أفضل مما كانت عليه سابقاً”، من ناحية الوعي والتنظيم والاهتمام بالنظافة.
في الزبير، يستعد الشاب الثلاثيني علي قاسم لموكبه الذي أسسه مع سبعة من أصدقائه عام 2024. يجتمعون شهرياً، ويقتطع كل واحد منهم حصة صغيرة من راتبه، حتى إذا اقترب محرم اجتمعوا للتخطيط والشراء وتوزيع الأدوار. يقول علي إن الأسعار ارتفعت نسبياً، لكن المواكب نفسها في ازدياد وتطور مستمرين.

يصمت علي قليلاً، ثم يضيف أنه فكر في تحويل موكبه مستقبلاً من موكب لتوزيع “الثواب” إلى موكب لتنظيف الشوارع ورفع نفايات المواكب. ولا تقتصر تجربة علي ورفاقه على تقديم “البركة”، بل تشمل أيضاً جمع أكياس النفايات بعد كل خدمة، وانتظار سيارات الكبس، والحرص على تثقيف أطفال المواكب بالوعي البيئي منذ الصغر، وزرع هذه الفكرة لضمان استمرارها عبر الأجيال.
يقارن علي بين محرم اليوم ومحرم قبل عشر سنوات، حين لم يكن هناك أمان كاف ولا تنظيم، ويرى أن الأجواء اليوم “أفضل بكثير” من ناحية الأمان، ونوعية أقمشة الرايات، وزيادة الوعي العام.
تعود أم حسين إلى ذاكرتها عن أيام عاشوراء السابقة. تقول إن قراءة “المقتل” كاملة كانت جزءاً أساسياً من كل مجلس، بينما تراجعت اليوم لصالح اللطميات، حتى إن بعض المجالس لم تعد تقرأ القصة أصلاً. وتلاحظ أيضاً تغيراً في الاهتمام بركن الأطفال والنساء، وفي اللباس والسلوك داخل بعض المجالس.
لكن أم حسين لا ترى الصورة من جانب واحد. فهي تمدح الوجه الآخر من “البركة”: تنوع الطعام، وكثرة الأصناف، والأطباق المختلفة والشهية التي لم تكن موجودة سابقاً. غير أنها سرعان ما تعود إلى الجانب الذي لا يرضيها، فتشير إلى ما تسميه “زوال النعمة”، أي الإسراف المؤلم حين يُطبخ الكثير ولا يؤكل، ثم ينتهي في الحاويات.
هذا الإسراف لا يبقى مجرد ملاحظة شخصية. فمع حلول محرم، تشهد الأسواق العراقية حركة تجارية نشطة وإقبالاً واسعاً على مستلزمات المواكب، لكن هذا النشاط يترك خلفه كلفة بيئية باهظة.

تشير الإحصاءات إلى أن النفايات البلاستيكية تشكل نحو 17% من إجمالي النفايات في العراق، التي تصل إلى نحو 32 ألف طن يومياً، أي ما يعادل 500 إلى 600 طن من البلاستيك وحده كل يوم.
توضح الدكتورة أماني إبراهيم التميمي، المستشارة البيئية والأستاذة الجامعية، أن الجهد الذي تبذله البلدية والعتبات والفرق التطوعية في التعامل مع مخلفات زيارة الأربعين، التي تستقبل نحو 22 مليون زائر، جهد يُحتذى به. لكنه، في النهاية، ينتهي إلى ما تسميه “مناطق الطمر اللاصحية” القريبة من الأحياء السكنية، من دون أي إعادة تدوير حقيقية.

وتشرح التميمي أن أغلب ما يصل من البلاستيك هو من الأنواع الرديئة والرخيصة التي لا تحمل ضمانات صحية. وهذا النوع يحتاج سنوات طويلة ليتحلل، وخلال ذلك يمكن أن يسرب سموماً إلى التربة والمياه الجوفية، أو يلوث الأنهار ويتسبب في تسمم الأسماك، أو ينتج غازات سامة عند حرقه.
تقترح التميمي الاستفادة من تجارب الجوار، مثل تجربة مدينة مشهد الإيرانية، حيث خُصص ركن لتقديم الشاي بأكواب زجاجية بدلاً من البلاستيك. وترى أن المسؤولية مشتركة بين الزائر وأصحاب المواكب والتوجه الحكومي، مع حاجة ملحة إلى حملات توعية إعلامية.
وفي مواجهة هذا التحدي، أطلقت نقابة المهندسين العراقية، فرع البصرة، فريقاً تخصصياً لدراسة واقع النفايات في المحافظة، ووضع حلول علمية لتحويلها إلى مورد اقتصادي وبيئي مستدام.

ويؤكد رئيس فريق البصرة للطاقة المستدامة، المهندس حسن صافي ناجي، أن مشروع “تحويل النفايات إلى طاقة” يمثل خطوة استراتيجية تعتمد على تقنيات حديثة للحد من الطمر والحرق العشوائي، وتحويل النفايات إلى مصدر متجدد للكهرباء يقلل الانبعاثات الحرارية. كما يساهم، بحسب ناجي، في تقليل المخاطر الصحية والحوادث المرورية الناتجة عن أدخنة مواقع الطمر، وخلق فرص اقتصادية جديدة تليق بمكانة البصرة كمدينة للنخيل والعطاء.
في نهاية المجلس، تلتقط أم حسين أكياساً ورقية كُتب عليها “خبز العباس”، وتجمعها في كيس نايلون. تزيح قطرات العرق عن جبينها وتتابع أن الحسين كريم، وأن العطاء في سبيله يعود مضاعفاً. لكنها تضيف أن المشكلة ليست في العطاء، بل في تبذيره.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



