قصص من الشارع

لقمة العيش قبل الشروق.. موسم الحصاد في سهل شهرزور

20/07/2026

المنصة- سلام هانەدنی

قبل أن تشرق الشمس بساعات، يغادر مئات الشبان والشابات من مدينتي “حلبجة” و”سيد صادق” منازلهم متجهين إلى سهل شهرزور، أحد أكبر السهول الزراعية في إقليم كردستان العراق.

وبينما لا يزال معظم الناس نائمين، يبدأ هؤلاء يوماً شاقاً من العمل في جمع المحاصيل الصيفية، أملاً في الحصول على أجر يومي يساعدهم على مواجهة أعباء الحياة في ظل محدودية فرص العمل.

عند الخامسة فجراً، تبدو الحركة في سهل شهرزور وكأن النهار قد بدأ مبكراً. أصوات الجرارات الزراعية، والمركبات التي تنقل العمال، والأحاديث المتبادلة بينهم، تكسر هدوء الليل. وعلى امتداد حقول البطاطا، ينحني عشرات العمال لجمع المحصول قبل أن تشتد حرارة الشمس، مستفيدين من الساعات الأولى من الصباح التي تتيح لهم العمل في ظروف أقل قسوة.

لكن يوم العمل يبدأ قبل ذلك بكثير، إذ يغادر بعضهم منازلهم عند الثالثة فجراً، ليصلوا إلى الحقول عند الرابعة، حيث ينطلق العمل مباشرة. ويستمر حتى الثامنة صباحاً تقريباً، قبل أن تصبح درجات الحرارة المرتفعة عائقاً أمام مواصلة العمل.

مع حلول موسم الحصاد، يتحول الصيف بالنسبة إلى مئات العائلات في حلبجة وسيد صادق إلى فرصة عمل موسمية، توفر دخلاً يومياً يساعد على تغطية جزء من احتياجاتها، في وقت يعاني فيه كثير من الشباب من البطالة أو تأخر صرف الرواتب في القطاع العام.

من عاملة إلى مشرفة على أكثر من مئة عامل

وسط هذا المشهد، تبرز تجربة خندة صالح، وهي شابة من حلبجة وخريجة قسم الفيزياء، تعمل معلمة خلال العام الدراسي، لكنها تستثمر عطلتها الصيفية منذ ست سنوات في تنظيم فرق العمل الزراعي.

بدأت خندة رحلتها كعاملة في الحقول، قبل أن تتحول تدريجياً إلى مشرفة تدير اليوم أكثر من مئة عامل وعاملة، بعد أن اكتسبت ثقة أصحاب المزارع والعمال على حد سواء.

وتقول لـ”المنصة”: “أصحاب المزارع يتواصلون معي يومياً ويحددون عدد العمال الذين يحتاجون إليهم. وفي كل مساء أبلغ أفراد المجموعة بموعد العمل عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي، ثم أرتب وسائل النقل وأرافقهم إلى الحقول، وأبقى معهم حتى انتهاء العمل، وبعدها أتسلم أجورهم من صاحب المزرعة وأوزعها بينهم.”

وتضيف أن هذه الآلية أسهمت في تسهيل حصول مئات الشباب على فرص العمل الموسمية، بعدما أصبحت حلقة وصل بين المزارعين والباحثين عن العمل، في ظل غياب مكاتب أو جهات تنظم هذا النوع من العمالة.

ويقطع كثير من أفراد المجموعة أكثر من ستين كيلومتراً للوصول إلى مواقع العمل، مقابل أجر يومي يبلغ نحو 15 ألف دينار عراقي، وهو مبلغ قد يبدو متواضعاً، لكنه يمثل بالنسبة لكثير من الأسر مصدر دخل لا يمكن الاستغناء عنه.

ويقول سروت سردار (25 عاماً)، وهو أحد أفراد المجموعة: “كل ليلة ننتظر اتصال المشرفة لمعرفة إن كان هناك عمل في اليوم التالي. إذا توفرت فرصة، نستعد منذ منتصف الليل تقريباً. صحيح أن العمل مرهق، لكننا مضطرون إليه، فالحصول على فرصة عمل أفضل من البقاء بلا دخل”.

ولا يقتصر العمل في هذه الفرق على الرجال فقط، بل تشارك فيه أعداد كبيرة من النساء، إلى جانب خريجي الجامعات والموظفين وحتى أفراد من العائلة الواحدة، مثل الأزواج والإخوة والآباء وأبنائهم، الذين يعملون جنباً إلى جنب طوال موسم الحصاد.

نساء يتحملن عبئاً مضاعفاً

داخل المجموعة التي تشرف عليها خندة، تعمل فريدة إلى جانب عشرات النساء اللواتي يشاركن الرجال في حصاد المحاصيل. غير أن يوم العمل بالنسبة إليهن لا ينتهي عند مغادرة الحقول.

تقول فريدة: “إذا كان العمل مرهقاً للرجال، فهو أشد صعوبة على النساء، لأننا نعود إلى المنزل لنبدأ أعمالاً أخرى. لكن تأخر صرف الرواتب وقلة فرص العمل أجبرتنا على خوض هذه التجربة”.

وتضيف أن معظم العاملات ينظرن إلى العمل الزراعي بوصفه وسيلة لتأمين احتياجات أسرهن، رغم مشقته، إذ تبدأ رحلتهن قبل الفجر بساعات وتنتهي بعد العودة إلى المنزل، حيث تنتظرهن مسؤوليات يومية أخرى.

ولا يقتصر نشاط المجموعة على حصاد البطاطا، بل تنتقل مع تغير الموسم بين مختلف المحاصيل الصيفية، مثل الطماطم، والكوسا، والبامية، والخيار، واللوبيا، والفاصولياء، وغيرها من المنتجات التي يشتهر بها سهل شهرزور، لترافق دورة الإنتاج الزراعي طوال أشهر الصيف.

سهل شهرزور… سلة غذاء كردستان

ويعد سهل شهرزور من أكثر المناطق الزراعية خصوبة في إقليم كردستان، بفضل تربته الغنية ووفرة مصادر المياه، مثل تانجرو وزەڵم وجەقان، وهو ما جعله وجهة رئيسية لزراعة المحاصيل الصيفية على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.

ويؤكد مزارعون أن البطاطا تستحوذ هذا العام على الحصة الأكبر من الأراضي المزروعة، إذ يذهب جزء من الإنتاج إلى الأسواق المحلية، بينما يخصص جزء آخر لمصانع إنتاج رقائق البطاطا وأصابع البطاطا المقلية.

ويقول ريبوار، وهو صاحب مزرعة في قضاء سيد صادق، إن الموسم الحالي لم يكن بمستوى المواسم السابقة، موضحاً أن الأمطار الغزيرة أثرت في حجم الإنتاج وتسببت بخسائر لعدد من المزارعين.

ويضيف: “نبدأ زراعة البطاطا في شهر فبراير/شباط، ونحصدها في يوليو/تموز. وبعد الثانية فجراً تدخل الجرارات إلى الحقول لاقتلاع المحصول، ثم يبدأ العمال بجمعه وفرزه وتنظيفه وتجهيزه قبل نقله إلى الأسواق أو المصانع.”

وبحسب بيانات وزارة الزراعة في حكومة إقليم كردستان، يقترب إنتاج البطاطا هذا العام من مليون طن، بينما لا تتجاوز حاجة السوق المحلية بين 350 و400 ألف طن، ما يعني أن الجزء الأكبر من الإنتاج يوجه إلى محافظات عراقية أخرى، إضافة إلى تصدير كميات منه إلى خارج البلاد.

ويضم الإقليم أيضاً سبعة مصانع لإنتاج رقائق البطاطا (الشيبس) وأصابع البطاطا المقلية، تشتري الطن الواحد من المزارعين بأسعار تتراوح بين 400 و450 ألف دينار عراقي، قبل توزيع منتجاتها في أسواق إقليم كردستان وبقية المحافظات العراقية.

سباق مع الشمس

قبل أن تشرق الشمس بالكامل، تكون شاحنات المحاصيل قد بدأت بمغادرة الحقول، فيما يغادر العمال مواقع عملهم بعد ساعات من الجهد المتواصل، استعداداً ليوم جديد يتكرر مع كل موسم حصاد.

وبينما يستيقظ كثيرون على رائحة الخبز وفنجان القهوة، يكون هؤلاء قد أنهوا الجزء الأصعب من يومهم، بعدما سبقوا الشمس إلى الحقول، ليس فقط لجني محاصيل الأرض، بل بحثاً عن لقمة عيش تحفظ كرامتهم وتعينهم على مواجهة ظروف اقتصادية لا تترك أمامهم سوى العمل منذ ساعات الفجر الأولى.

 

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali