قصص من الشارع

من سلة الخوص إلى علبة الشوكولاتة.. كيف تعيد البصرة تسويق تمورها؟

08/09/2026

البصرة- نغم مكي

في قاعة منتدى الشباب والرياضة في قضاء التنومة، على الجانب الشرقي من شط العرب في البصرة، تتجاور سلال التمور متعددة الأصناف مع علب أنيقة تضم تموراً مغطاة بالشوكولاتة الداكنة والبيضاء، وأخرى محشوة باللوز والجوز. المكان، الذي تمتد مساحته على نحو ثلاثة دونمات، يستقبل الوافدين إلى معرض الأرطاب والتمور السنوي الثالث، الذي أقيم في الثاني من أيلول/سبتمبر 2026 تحت شعار “نخيلنا ثروتنا”.

أصناف متعددة من التمور معروضة في سلال الخوص في المعرض

بين أروقة المعرض، لا تتجاور المنتجات فقط، بل تجربتان مختلفتان في التعامل مع التمر، جيل ارتبط بالمكابس والأشكال التقليدية للإنتاج، وآخر يحاول تقديم الثمرة نفسها في صورة أقرب إلى الحلويات الحديثة، عبر التغليف والشوكولاتة والمكسرات. وبين الاثنين، تعرض أيادٍ محلية أشكالاً أخرى من منتجات التمر، في محاولة للجمع بين ما اعتاده السوق وما يمكن أن يفتح له أبواباً جديدة.

يقف ناهض حسن، صاحب معمل “جمار للتمور”، أمام منتجات بدأ تجربته معها قبل نحو عام ونصف. يقول إن الفكرة انطلقت بصورة بسيطة، مستلهماً إياها من رحلاته إلى دول الخليج وطريقة تصنيع التمور وتقديمها هناك، قبل أن يعمل على تنفيذها في البصرة مستعيناً بمكائن استوردها من تركيا والصين وإيران.

يقول ناهض: “شفت دول الخليج شلون يتعاملون مع التمرة ويقدمونها بمستوى يليق بها”.

ناهض يعرض منتجاته

يعتمد المعمل بصورة رئيسية على تمر البريم في إنتاج التمور المغطاة بالشوكولاتة والمحشوة بالمكسرات. ويشرح ناهض أن هذا الصنف يمتاز برقة قشرته وقلة الألياف فيه، ما يمنحه ملمساً ناعماً أثناء المضغ. كما يساعد قوامه المشدود على شق الحبة طولياً وإخراج النواة من دون أن تفقد شكلها، فيما تسمح قشرته الرقيقة والخالية من الجفاف للشوكولاتة بالالتصاق بسطح التمرة بسلاسة، من دون أن تتكتل أو تتقشر لاحقاً. ويضيف أن ذلك يسمح أيضاً برسم خطوط زخرفية رقيقة على الشوكولاتة، فيما تتوازن الحلاوة الطبيعية للتمر مع مرارتها، خصوصاً في الأصناف الداكنة.

«شفت دول الخليج شلون يتعاملون مع التمرة ويقدمونها بمستوى يليق بها» ناهض حسن، صاحب معمل تمور

يشغّل معمل ناهض ما بين 15 و17 امرأة يعملن في تعبئة التمور وتغليفها، إلى جانب ثلاثة شبان يتولون التوصيل والنقل والبيع المباشر، فيما تتولى امرأة أخرى الترويج للمنتجات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو جانب يراه ناهض أساسياً في الوصول إلى الزبائن.

الطقس الحار في البصرة يسرّع تلف مواد التغليف والشوكولاتة

لكن تطوير المنتج لا يلغي العقبات التي تواجه المشروع. فالطقس الحار في البصرة يسرّع تلف مواد التغليف والشوكولاتة، في ظل غياب منافذ عرض مبردة كافية، بينما يواجه ناهض صعوبة أخرى في إقناع السوق المحلي بفكرة بيع التمر بسعر يقترب من أسعار الحلويات. يقول: “من يقارن السعر مع الحلويات ما جاي يتقبل”.

ويضيف أن التمويل الحكومي غائب عن تجربته، ولم يحصل مشروعه على قروض مصرفية أو دعم من مؤسسات الدولة: “إحنا قطاع خاص، ما ماخذين قروض من البنوك ولا أكو مؤسسات دولة تدعمنا”.

زوار يتفقدون منتجات التمور المصنّعة والمعبأة في أحد أجنحة المعرض

وعلى الجانب الآخر من ناهض، يعرض مصطفى عبد اللطيف، وهو شاب في الثلاثينيات، منتجات تجربة أقدم ورثها عن عائلته في معمل “العامري والشيتي للتمور”، الذي تأسس عام 1991. يقول إن البداية كانت متواضعة ومحصورة بالتمور المكبوسة: “أول ما بدينا بالتمور المكابس”، قبل أن تتوسع الشركة تدريجياً إلى إنتاج المعسل، ثم المعمول المحشو بالجوز والمكسرات والمغطى بالسمسم والراشي وجوز الهند.

ويقول مصطفى إن نقطة التحول نحو التغليف الحديث والدقيق بدأت تقريباً عام 2010. ويفضل المعمل استخدام تمر البرحي في بعض المنتجات، فيما يصنع المعسل والتمر المكبوس من أصناف أخرى مثل العويد والبريم والحلاوي والخضراوي.

مصطفى يعرض منتجات معمله الذي ورثه عن عائلته

وبابتسامة تعبّر عن اعتزازه بالمشروع، يقول مصطفى مازحاً إن فكرة إضافة الشوكولاتة والمكسرات كانت بمثابة “براءة اختراع” واجتهاد شخصي من صاحب الشركة، لافتاً إلى أن الشوكولاتة المستخدمة حالياً خالية من السكر المضاف.

وبحسب مصطفى، ترتبط أعمال الشركة اليوم بمصدر دخل لأكثر من 300 عائلة. لكن ابتسامته تخفت حين ينتقل الحديث إلى جودة المحصول في السنوات الأخيرة، ويقول بامتعاض: “الظروف الطبيعية أثرت على التمر من أملاح ومن الجو”.

من أجواء المعرض

بين أروقة المعرض، تتجول آلاء عباس، وهي شابة في العشرينيات، وتتوقف أمام المنتجات واحداً تلو الآخر. تتفحص بعضها بيدها، وتكتفي أمام أخرى بنظرة تدفعها إلى العدول عن الشراء، قبل أن يجذبها تمر محشو بالفستق بعدما تذوقت إحدى العينات المعروضة، فتقرر شراءه.

تشكيلة من أصناف التمور المختلفة مع بطاقات تعريفية بأسمائها

تقول آلاء إن هذه ليست تجربتها الأولى مع منتجات التمور، المصنعة منها وغير المصنعة. وعن الأسعار، تقول: “أكو يستاهل هذا السعر، وأكو لا، مبالغ بيه”.

ولا تكتفي بتمر الفستق، بل تطلب أيضاً نوعاً بطعم الراشي استساغته، وتقول إنها تشتري هذه المنتجات أحياناً لعائلتها، وأحياناً أخرى لتقديمها هدية للأقارب أو الأصدقاء بحسب المناسبة. وترى أن المعرض هذا العام أفضل من نسخته السابقة.

“سنتين يصير عدنا ملوحة وماي شحة.. فالجودة للتمور هالسنة مو مثل الأول”- لبنى جواد نجم، رئيسة مهندسين في مديرية زراعة البصرة

ولا تقتصر محاولات تطوير سوق التمور على أصحاب المعامل الصغيرة والعائلية. يقول صالح شداد الفارس، مدير شركة “الفارس”، إحدى الجهات الراعية للمعرض والمتعاونة مع مديرية زراعة البصرة، إن دعم الشركة للمعرض يأتي ضمن نشاطاتها الداعمة للقطاع الزراعي وما تقدمه من منافع اجتماعية.

ويشير الفارس إلى أن المعرض قد يكون الوحيد في العراق المتخصص بصناعة التمور، موضحاً أن دعم الشركة يشمل أيضاً توفير النباتات والمهندسين والمرشدين الزراعيين والإشراف على البساتين. أما مستقبل القطاع، فيراه مرتبطاً بالتوسع في التجزئة والتعليب وتحويل التمر إلى الخل وبعض المستخلصات، بما يساعد على إعادة العراق إلى مكانته في إنتاج التمور وتصنيعها. ويكشف عن خطط، بالتنسيق مع محافظ البصرة أسعد العيداني، لإقامة معرض مماثل مستقبلاً في إقليم كردستان.

وترتبط إقامة المعرض في شهر أيلول/سبتمبر بالموسم الزراعي نفسه. تقول المهندسة الزراعية لبنى جواد نجم، رئيسة مهندسين في مديرية زراعة البصرة، إن اختيار هذا التوقيت للعام الثالث على التوالي يعود إلى تزامنه مع نضج الرطب والتمر، بما يتيح للمزارعين والمشاركين عرض منتجاتهم في ذروة الموسم.

مديرية الزراعة شاركت أيضاً في المعرض

وتضيف أن عدد المشاركين ارتفع تدريجياً ليصل هذا العام إلى نحو 25 مشاركاً، بينهم مزارعون وأصحاب معامل ومكابس وحرفيون. ويعرض هؤلاء أصنافاً عراقية وبصرية معروفة، منها الحلاوي والساير والبرحي والقرنفلي وعجوة المدينة، إلى جانب أصناف جديدة استقدمت من محافظات أخرى، مثل المجهول والعنبرة والإبراهيمي.

كما يشارك مزارعون بأصناف قدمت من خارج البلاد، بينها الخلاص والسكري والشيشي، بعد أن استوردوا فسائلها النسيجية وبدأ أصحاب البساتين تجربة مدى ملاءمتها لتربة وأجواء قضاء شط العرب والمناطق المحيطة به. ويضم المعرض كذلك مستلزمات ومعدات زراعية مرتبطة بزراعة النخيل وإنتاج التمور.

لكن اتساع المشاركة وتنوع الأصناف لا يخفيان المشكلات التي واجهت محصول هذا الموسم. تقول لبنى إن الملوحة وشح المياه انعكسا على جودة التمور: “سنتين يصير عدنا ملوحة وماي شحة، فالجودة للتمور هالسنة مو مثل الأول”.

وتضيف أن غياب التمويل يمثل عائقاً آخر أمام العاملين في القطاع. ورغم ذلك، تشجع من موقعها الشباب على دخول مجال الزراعة، وخصوصاً قطاع التمور، وتختصر علاقتها به بقولها: “شگد ما تنطيه ينطيج”.

ثم تخفف لبنى من حماس العبارة، موضحة أن الزراعة تحتاج إلى صبر ووقت، وقد تمر سنوات قبل ظهور النتائج، لكنها ترى أن العائد في النهاية يمكن أن يكون جيداً ومفرحاً.

وبين زحام الوافدين وأصوات المفاوضات حول الأسعار، يواصل الباعة ترتيب منتجاتهم، سلال تمر إلى جانب علب الشوكولاتة، وأصناف محلية معروفة إلى جوار أخرى بدأت تجربتها حديثاً في بساتين البصرة. وبين محاولات التغليف والتصنيع من جهة، وتحديات الملوحة وشح المياه والتمويل من جهة أخرى، يواصل تمر البصرة البحث عن أشكال جديدة للوصول إلى المستهلك، من دون أن يفقد صلته بالمنتج الذي عُرفت به المدينة طويلاً.

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali