علاء كولي- المنصة
على سرير طبي وسط ردهة الطوارئ في مستشفى الحسين التعليمي في محافظة المثنى، وجد أحمد التميمي (48 عاماً) نفسه ممدداً، بينما عينه اليسرى مغطاة بضمادة إثر إصابتها بحجر، خلال سير القطار بالقرب من محطة ساوة في محافظة المثنى، بعدما هاجم مراهقون وأطفال القطار بالحجارة.
وأحمد، الذي يعمل فاحص بطاقات في قطار المسافرين (22)، لم يكن الحالة الوحيدة التي تواجه هذه المخاطر. فكثيراً ما يتعرض موظفو السكك الحديدية والمسافرون للرشق بالحجارة خلال سير القطارات، خصوصاً لدى مرورها ببعض القرى والمناطق السكنية القريبة من الخطوط، ما يتسبب بخسائر مادية وإصابات بين الركاب والعاملين.
وفي نهاية آب/أغسطس 2026، وحوالي الساعة الثامنة مساءً، وبعد نحو 20 دقيقة من مغادرة قطار المسافرين محطة البصرة، تعرض القطار للرمي بقطعة حديدية، ما أدى إلى تحطم زجاج إحدى النوافذ واختراق الستار المطاطي.
رحلة صاخبة

يروي حسين جميل الزيدي (55 عاماً)، وهو قائد قطار بضائع منذ ما يقارب 36 عاماً، كيف تعرض لمواقف خطرة طوال مسيرته المهنية، ونجا مرتين من ضربات حجارة كادت، بحسب قوله، أن تودي بحياته أو تتسبب له بإعاقة دائمة.
ومنذ لحظة انطلاق القطار من منطقة الشعيبة في البصرة محملاً بالنفط الأسود باتجاه مدينة بيجي شمال بغداد، يقول الزيدي لـ”المنصة” إنه يتعرض للرشق بالحجارة في عدة أماكن، بدءاً من البصرة وحتى وصوله إلى بيجي، ولا تقتصر المقذوفات أحياناً على الحجارة، بل تشمل قطعاً حديدية وبلاستيكية أيضاً.
وعادة ما يتعرض القطار، بحسب الزيدي، للرشق بالحجارة خلال النهار أكثر من رحلات الليل، خاصة في المناطق القريبة من خطوط السكك الحديدية، ويقول إن هذه الحوادث ازدادت خلال السنوات الماضية.
وفي تعليق ساخر، قال سائق القطار أحمد عبدالله: “نتعرض للرجم في اليوم أكثر من 20 مرة، أكثر مما يتعرض له الشيطان في رمي الجمرات في الحج”، مضيفاً أنهم يشاهدون مراهقين وأحياناً بالغين يرشقون القطار بالحجارة، في مشهد “يبعث على الأسف”.
وخلال العام الجاري، أظهر مقطع مصور متداول على منصات التواصل الاجتماعي عشرات الأشخاص يقفون قرب إحدى السكك الحديدية بين بغداد وكربلاء، بينما كان عدد من المراهقين والأطفال يرشقون قطاراً يقل زائرين متجهين إلى كربلاء بالحجارة، وسط تجمع أشخاص يشاهدون ما يحدث ويضحكون.
كيف أصبح ضرب القطار ظاهرة؟
قصة رشق القطارات قديمة، لكنها، بحسب مدير سكك ذي قار كمال داغر، اتخذت خلال السنوات الأخيرة شكلاً أكثر علنية واتساعاً. ويقول إن الاعتداءات كانت تقتصر سابقاً غالباً على وضع الحجارة وبعض القضبان الحديدية الصغيرة على خط السكة، فيما كان تحطيم زجاج القطار يحدث في حالات أقل.
غالباً ما تكون الأضرار مادية، كما يوضح داغر خلال حديثه لـ”المنصة”، إذ يتعرض القطار للرشق بالحجارة بصورة رئيسية، وفي حالات أخرى بقضبان حديدية، وأحياناً يتعرض أحد المسافرين أو أفراد الطاقم إلى الأذى. وتزداد الاعتداءات، بحسب قوله، خلال الزيارات والمناسبات التي تشهد حركة كثيفة للقطارات.
سائق القطار أحمد عبدالله: “نتعرض للرجم في اليوم أكثر من 20 مرة، أكثر مما يتعرض له الشيطان في رمي الجمرات في الحج”
ويقول مسؤولون في السكك إن حوادث الاعتداء على القطارات ازدادت بعد عام 2003 بالتوازي مع اتساع المناطق السكنية العشوائية قرب خطوط السكك وتراجع الرقابة على بعض المسارات. وكانت مراكز للشرطة منتشرة على طول خطوط السكك منذ بدايات القرن العشرين، فيما تتولى شرطة السكك الحديدية اليوم مهمة حمايتها.

ومع زيادة استخدام القطارات خلال المناسبات الدينية، ولا سيما زيارة الأربعين، ومرورها ببطء عبر مناطق سكنية مكتظة، أصبحت بعض الرحلات أكثر عرضة للرشق بالحجارة.
لكن وزارة الداخلية أعلنت في 8 أيلول/سبتمبر 2026 عن تراجع حديث في معدل التجاوزات على خطوط السكك. وقال مدير شرطة السكك الحديدية صادق العتابي إن التجاوزات على محرمات خطوط السكك وظاهرة رمي القطارات بالحجارة شهدت تراجعاً كبيراً نتيجة التنسيق المشترك والعمليات الميدانية مع القطعات الأمنية الماسكة للأرض من الجيش وقيادات العمليات ودوريات النجدة وقوات الطوارئ، إضافة إلى دور خطباء المساجد والحسينيات في توضيح التبعات القانونية والمحاذير الشرعية، والحملات التثقيفية والندوات مع شيوخ العشائر والوجهاء.
مسارات خطوط النقل
يمتلك العراق شبكة واسعة من خطوط السكك الحديدية تمتد من البصرة جنوباً إلى الموصل وكركوك شمالاً، إلا أن أجزاء منها ما تزال متوقفة أو تعمل بصورة غير منتظمة، بحسب إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء.

ووفق الجهاز، هناك خطان رئيسيان للنقل الليلي، أبرزها خط البصرة-بغداد ذهاباً وإياباً، بسعة تقارب 360 مقعداً للرحلة الواحدة. كما توجد خطوط موسمية، منها بغداد-كربلاء، بغداد-الرمادي، وبغداد-سامراء، تعمل بشكل أكبر خلال الزيارات الدينية، بينما ما تزال خطوط بغداد-الموصل وبغداد-كركوك متوقفة أو محدودة التشغيل لأسباب أمنية وتشغيلية.
وكشف المرصد الاقتصادي “إيكو عراق” في حزيران/يونيو 2026 أن تشغيل خطوط السكك يتم بطابع خدمي يهدف إلى تغطية النفقات التشغيلية أكثر من تحقيق إيرادات مباشرة للدولة، فيما تأتي الإيرادات الأساسية من نقل البضائع مثل النفط ومشتقاته والحبوب والسلع التجارية.

ويعود تاريخ توسع شبكة السكك العراقية إلى عشرينيات القرن الماضي، حين مُدّ خط الشرقاط إلى الموصل وربط لاحقاً بالشبكات السورية والتركية، ثم بالشبكة الأوروبية. وفي عام 1940 سُيّر أول قطار من العراق إلى حيدر باشا في إسطنبول، قبل أن تتوسع الشبكة لاحقاً داخل البلاد.
ويبلغ عدد العاملين في دائرة السكك الحديدية 3338 عاملاً حتى عام 2025، مقابل 3569 عاملاً سنة 2024، بانخفاض يقارب 6% بسبب الإحالة على التقاعد والنقل والتنسيب إلى وزارات أخرى.
محطات الخطر

دخل القطار إلى العراق عام 1914، وفي العام 1920 سُيّرت أول رحلة بين بغداد والبصرة، بعد أن أدخل البريطانيون السكك الحديدية خلال الحرب العالمية الأولى. وكان القطار يعرف شعبياً باسم “الشمندفر”، ثم شاع لاحقاً اسم “الريل”، وبقي حاضراً في الذاكرة الشعبية العراقية وفي الشعر والغناء الريفي.
بحسب مدير سكك المنطقة الجنوبية رضا الهاشمي، في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، تبدأ بعض مناطق الخطر منذ اللحظة الأولى التي ينطلق فيها القطار من محطة المعقل في البصرة، وخصوصاً في مناطق الكزيزة وخمسة ميل والزبير، رغم مخاطبة قيادة العمليات والشرطة لنشر دوريات قبل انطلاق القطار.
وفي ذي قار، يحدد مدير السكك كمال داغر أبرز أماكن الرشق في قضاء سوق الشيوخ، وأحياناً في منطقة آل بوعظم، وفي مركز المحافظة قرب المنصورية.
أما في المثنى، فتتركز الحوادث عادة بين محطتي الحجامة وساوة. وفي بغداد، يتعرض القطار للرشق عند حزام العاصمة وقرب المحمودية، كما تسجل حوادث في الديوانية وعلى مسار قطار بغداد-كربلاء، وكذلك في منطقة المحاويل بمحافظة بابل.
وعلى الرغم مما يواجهه القطار أثناء رحلته، ينتقد عدد من المسافرين أيضاً مستوى الخدمات داخل بعض القطارات، من النظافة إلى التبريد والحمامات، إضافة إلى بطء الرحلات. ولا توجد بيانات تثبت ارتباط هذه الشكاوى مباشرة بحوادث الرشق، لكنها تضاف إلى عوامل أخرى تحد من إقبال بعض الركاب على السفر بالقطار.
إحصائيات وخسائر
لا توجد إحصاءات وطنية دقيقة عن حجم الأضرار والخسائر المادية والإصابات الناتجة عن الاعتداء على القطارات. ويؤكد مدير سكك المنطقة الجنوبية رضا الهاشمي أن المواد الاحتياطية، ومنها الزجاج، تُستورد من الخارج، ما يجعل تعويض القطع المتضررة واستبدالها أمراً مكلفاً وغير سريع دائماً.
تبدأ بعض مناطق الخطر منذ اللحظة الأولى التي ينطلق فيها القطار من محطة المعقل في البصرة، وخصوصاً في مناطق الكزيزة وخمسة ميل والزبير
وسجلت سكك حديد ذي قار خلال عام 2025 ست حالات إصابة بين موظفين ومسافرين، تراوحت بين المتوسطة والخفيفة، فيما سجلت خلال عام 2026 نحو أربع حالات حتى الآن. وتخص هذه الأرقام نطاق سكك ذي قار وحده، ولا تتوفر إحصائية موحدة لبقية المحافظات.
ويقول مدير سكك ذي قار كمال داغر إن هناك حراكاً داخل المحافظة لإيجاد حلول لهذه الظاهرة، شمل اجتماعات وندوات مع المدارس القريبة من خطوط السكك، ومخاتير المناطق التي يمر بها القطار، للتأكيد على ضرورة المحافظة على محرمات خطوط السكك وعدم التعرض للقطارات.
كما أقيمت دعاوى قضائية وفُرضت غرامات بقيمة الأضرار بحق بعض الأشخاص الذين هاجموا القطارات، بحسب داغر، وتم اعتقال وسجن آخرين. ويقول إن من بين المتورطين مراهقين وأطفالاً، وأحياناً بالغين، بعضهم كان تحت تأثير الكحول أو المواد المخدرة.
الريل.. ذاكرة شعبية
وعلى الرغم مما يمر به القطار، أو “الريل” كما يسمى في الذاكرة الشعبية العراقية، ما تزال له مكانة خاصة في ذاكرة أجيال من العراقيين، كما يقول الباحث الاجتماعي والأكاديمي في جامعة ذي قار، د. عدي الشبيب.
ويربط الشبيب جزءاً من الاعتداءات بنظرة بعض المجتمعات المحلية إلى القطار بوصفه جسماً غريباً يمر في فضائها من دون أن يكون جزءاً فعلياً من حياتها اليومية أو اقتصادها المحلي، إضافة إلى ما يصفه بانتشار سلوكيات عدوانية في بعض البيئات المهمشة.
ويشير إلى وجود فجوة بين دخول التقنيات الحديثة إلى المجتمع وبين تشكل ثقافة عامة تحمي هذه المنشآت وتتعامل معها بوصفها ملكاً عاماً، معتبراً أن ضعف هذه الثقافة قد يفسر جانباً من الاعتداءات المتكررة على القطارات.
جدوى اقتصادية
في حزيران/يونيو 2026، أعلن مرصد “إيكو عراق” أن إيرادات السكك الحديدية في العراق محدودة، داعياً الحكومة إلى تفعيل بقية الخطوط.
وبحسب المرصد، يعمل نقل الركاب بطابع خدمي يهدف أساساً إلى تغطية النفقات التشغيلية، بينما تأتي الإيرادات الأكبر من نقل النفط ومشتقاته والحبوب والسلع التجارية.
وبلغ عدد المسافرين عام 2025 نحو 192 ألف مسافر، مقابل 248 ألف مسافر عام 2024، بانخفاض بلغ 22%، عزته دراسة أعدتها مديرية إحصاءات النقل والاتصالات إلى توقف بعض القطارات وتراجع عدد الرحلات.
أمل طويل الأمد
بحسب بيان لوزارة النقل في أيلول/سبتمبر 2025، يعد مشروع “طريق التنمية” حجر الزاوية في خطة الوزارة الاستراتيجية، ومن أبرز مكوناته تطوير خطوط السكك الحديدية. ومن المؤمل أن تبدأ مرحلته الأولى عام 2031، وتشمل خطوطاً لقطارات سريعة مخصصة لنقل ملايين المسافرين سنوياً وربط العراق بممرات نقل تصل إلى أوروبا.
وتبدو هذه الخطط بعيدة عن واقع العاملين في الشبكة الحالية، الذين ما زال بعضهم يواجه مخاطر يومية على خطوط السكك.
ومع اقترابه من الإحالة إلى التقاعد خلال السنوات القليلة المقبلة، يأمل حسين جميل أن يحصل هو وزملاؤه على راتب تقاعدي يليق بسنوات عملهم، وأن تُحتسب المخاطر المهنية التي رافقت عملهم طوال العقود الماضية، بعد سنوات من الخدمة برواتب محدودة ومن دون مخصصات خطورة، باستثناء الساعات الإضافية التي ساهمت في زيادة دخلهم.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



