علاء كولي- المنصة
مطلع شهر آب/أغسطس 2026، خرج أبو وليد وسبعة آخرون من أبناء قرية “أبو شكة” (5 كم غرب الناصرية) من الحجز بكفالة مالية، على إثر دعوى قضائية رفعتها عليهم بلدية الناصرية، بعد احتجاجهم على قيام موظفي البلدية بتجريف مساحات من البساتين والأراضي الزراعية في قريتهم، تمهيداً لتوزيعها كقطع أراضٍ سكنية، بحسب رواية الأهالي.
يقول أبو وليد (54 عاماً) إن بلدية الناصرية اتهمت أبناء القرية بتهديد موظفي “التجاوزات” بعد وصولهم مع الآليات لتجريف البساتين وهدم المشيدات والمنازل. وكانت البلدية قد وزعت هذه المساحات من الأراضي الزراعية والبساتين كقطع أراضٍ قبل نحو خمس سنوات، من دون أن تكون مفرزة بالكامل، وفق الأهالي.
وحتى عملية التجريف التي يقوم بها موظفو التجاوزات، كما يوضح أبو وليد، تجري أحياناً خارج أوقات الدوام الرسمي، وفي أوقات يقل فيها وجود الأهالي. ويقول إن الأشجار والنخيل المقتلعة تُنقل إلى أماكن بعيدة، ما يصعّب على السكان توثيق عمليات التجريف وتصوير ما أُتلف من مزروعات.
وقبل عام تقريباً، خسر أبو وليد، بحسب قوله، أكثر من مائة نخلة من أجود الأنواع، إلى جانب عدد من أشجار الرمان والسدر التي كان قد زرعها قبل سنوات، بعد أن جرفتها آليات بلدية الناصرية. ويقول إن الحملة شملت أيضاً هدم منزلين وتجريف عدد آخر من النخيل والأشجار المثمرة.
تجريف مستمر
في عام 2021، قامت بلدية الناصرية بتوزيع أراضٍ للمواطنين، ومنحت كل شريحة أو أكثر من شريحة مساحات ضمن “مقاطعات” لم تكن قد أُفرزت بالكامل. وشملت بعض هذه المساحات قرى زراعية تضم بساتين وأراضي مزروعة منذ عقود.
اعترض أهالي القرى على تحويل أراضيهم الزراعية المنتجة إلى قطع سكنية، وتوقفت الإجراءات لفترة بعد اعتراضات ومراجعات لدى الجهات الحكومية، قبل أن تُستأنف لاحقاً، بحسب رواية السكان.
وفي شهر تموز/يوليو الماضي، بدأت حملة من قائممقامية الناصرية والبلدية لتجريف البساتين، كما يقول أحمد الموسوي، وهو من أهالي قرية “أبو شكة”: “تفاجأنا من خلال وسائل الإعلام بنشر محاضر قطع الأراضي في بساتيننا، وبعد أن علمنا اعترضنا لدى المحافظة ومديرية الزراعة والبلدية”.
وعلى إثر ذلك، يوضح الموسوي أن كتباً رسمية صدرت بعد شكاوى الأهالي، وشُكلت لجان أوصت باستبعاد البساتين من الإفراز لكونها مستوفية للشروط الزراعية، وعدم تمليك القطع الواقعة فيها أو إصدار سندات “طابو” بشأنها. لكن، بحسب قوله، لم تلتزم البلدية بتلك التوصيات واستمرت بإجراءات التمليك.
ويضيف الموسوي أن الأهالي أعادوا تقديم شكاواهم، وتشكلت لجان أخرى أوصت بإيقاف الإجراءات واستبعاد الإفرازات، إلا أن الخلاف ظل قائماً. ويقول إن الملف أوقف عام 2022، قبل أن تعود الإجراءات في عام 2024.
وتدّعي البلدية، وفق الموسوي، أن الأراضي موزعة قبل إنشاء البساتين، لكن الأهالي يطعنون في هذه الرواية، مستندين إلى أعمار النخيل والعقود الزراعية. ويقول الموسوي إن القرى تضم أكثر من 120 ألف نخلة تتراوح أعمارها بين 15 و20 عاماً، كما كانت هناك عقود زراعية سارية حتى عام 2024.
توزيع بلا حلول
قبل أشهر، خرج محمد عدنان ونحو 18 شخصاً من أبناء قرية “الزهيرية” من الحجز بعد عدة أيام، إثر مشادات بينهم وبين مواطنين حصلوا على سندات “طابو” لقطع سكنية تقع فوق أراضٍ ومنازل داخل القرية. وسبقت هذه المشادات دعاوى قضائية بين سكان القرية والمستفيدين من التوزيع.

و”الزهيرية” قرية زراعية تبعد نحو سبعة كيلومترات غرب مركز الناصرية، وتبلغ مساحتها ما يقارب خمسة آلاف دونم، وتضم أكثر من 500 منزل. يقول الأهالي إن السكن فيها يعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، فيما تُزرع فيها الحنطة والشعير على مساحات تتجاوز ألفي دونم، إضافة إلى بساتين تضم أكثر من ثلاثة آلاف نخلة.
وتعرض جزء كبير من هذه البساتين للتجريف العام الماضي، ضمن حملة قالت البلدية إنها تهدف إلى إتاحة الأراضي أمام المواطنين الحاصلين على سندات ملكية.
يقول محمد عدنان، الذي ولد وعاش في القرية: “بيتي الآن يعتبر متجاوزاً، وثمة مواطن آخر لديه سند طابو يمتلك مساحة الأرض التي عليها بيتي. وبين آونة وأخرى يأتي من أجل مسحها وإفرازها، لكنني دخلت معه في مشادة أكثر من مرة، ورغم تدخل المحكمة في الأمر، لا تزال المشكلة عالقة”.
وفي عام 2020، كما يوضح عدنان لـ”المنصة”، جاءت البلدية وأخبرت أهالي القرية بوجود مقترح لتسوية القضية، يتضمن منحهم قطع أراضٍ إلى جانب بقية المستفيدين، مقابل إتاحة المساحات الزراعية الواسعة للفرز والتوزيع.
لكنه يقول إن البلدية مضت في التوزيع من دون التوصل إلى اتفاق نهائي معهم: “خرجنا بلا نتيجة، وجعلتنا نتصادم مع الناس الذين حصلوا على سندات الأرض. تضرر أكثر من 500 منزل في القرية، ومصيرنا اليوم مجهول”.
وثائق وقوانين
في عام 2022، شُكلت لجان للنظر في الاعتراضات على توزيع الأراضي الزراعية والبساتين، بالتزامن مع إقامة دعوى قضائية بشأن الملف. ووفق الوثائق التي يستند إليها الأهالي، أقرت اللجان بوجود بساتين وأوصت باستبعادها من التوزيع، كما أُجري كشف فني ثبّت مواقع المنازل والبساتين وأعداد النخيل، فيما أوصى كشف آخر أجرته البلدية نفسها بإعادة النظر في التصميم واستبعاد بعض المساحات.

وبحسب وثيقة صادرة عن مديرية زراعة ذي قار عام 2022، طالبت المديرية المحافظة باستبعاد الإفرازات الواقعة على الأراضي الزراعية لوجود عقود زراعية، واعتبارها مناطق خضراء خارج حدود التصميم للحفاظ على الرقعة الزراعية، استناداً إلى قانون الانتفاع الزراعي رقم 71 لسنة 1978 والقرار 50 لسنة 2016 والقرار 70 لسنة 2019. لكن الأهالي يقولون إن هذه التوصيات لم توقف عمليات التجريف.

ويحظر قانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لسنة 2009، في المادة 13/ثانياً، تجريف الأراضي الزراعية أو قطع الأشجار المعمرة من دون موافقات الجهات المختصة.
كما ينظم قانون الزراعة رقم 35 لسنة 1983 المعدل تغيير استعمال الأراضي الزراعية إلى أغراض أخرى، ويربط ذلك بموافقات الجهات المختصة.
وتشير أيضاً قرارات حكومية صدرت خلال السنوات الماضية إلى ضرورة الحد من تجريف البساتين وتغيير جنس الأراضي الزراعية، في إطار حماية الرقعة الزراعية والنخيل ومواجهة التصحر.
الرواية الحكومية
يؤكد النائب الأول لمحافظ ذي قار ورئيس اللجنة الزراعية العليا في المحافظة، رزاق كشيش، أنه لا توجد إحصائيات دقيقة عن أعداد الأراضي الزراعية التي تم تحويلها. ويقول إن مناطق “الزهيرية” و”الإزيرج” و”أبو شكة” تقع ضمن حدود بلدية الناصرية، وإن المساحات التي شملها التوزيع جرى اعتبارها غير مستغلة زراعياً، وحُصرت وفق القرار 80 ووزعت على شرائح متعددة من المواطنين، فيما يصف معظمها بأنها أراضٍ “بور وصبخة”.
وبحسب كشيش، أجرت بلدية الناصرية عند حصر هذه المناطق مسحاً شاملاً للقرى، وحددت المساحات السكنية وفرزتها، واستغلت المناطق الخالية لغرض التوزيع. ويضيف أن عمليات إزالة التجاوزات الجارية حالياً تستهدف قطعاً سكنية سبق توزيعها على المواطنين، ويؤكد أن بعض البساتين أُنشئ بعد توزيع هذه القطع.
ويضيف كشيش: “رؤية الحكومة المحلية القادمة هي العمل على إنشاء مدن جديدة تحت مسمى المطور العقاري، وهي مدن مخدومة بشكل كامل وجاهزة للبناء. وهناك مشروع في ذي قار تنفرد به المحافظة، وهو تحديث وتعديل وتوسعة التصميم الأساسي لجميع مناطق المحافظة، ما عدا الشطرة والرفاعي. هذا المشروع مختص بدراسة النمو العمراني وما تحتاجه البلديات من وحدات سكنية تغطي الطلبات لتوفير السكن المناسب للمواطنين”.
من جانبه، يؤكد قائممقام قضاء الناصرية، ليث الخفاجي، لـ”المنصة” أن “العمل في لجنة التجاوزات يكون مع دوائر المحافظة المالكة لهذه الأراضي بعد إرسال كتاب لنا بإزالة التجاوز. أما جميع الإجراءات للتأكد منها فهي على عاتق الدائرة المالكة للأرض، سواء كانت البلدية أو عقارات الدولة أو الزراعة”.
ويضيف الخفاجي أنه عندما يتم توزيع قطع أراضٍ للمواطنين في “مقاطعة” معينة، يفترض أن تكون الصفة الزراعية قد رُفعت عنها وأن تكون يد الإصلاح الزراعي قد أُزيلت قبل عملية التوزيع.
وفي السياق نفسه، يوضح مصدر فضّل عدم ذكر اسمه لـ”المنصة” أن “ملف الأراضي وتوزيعها وتداخلها مع الأراضي الزراعية هو ملف شائك. ففي بعض المناطق هناك مساحات كبيرة تم استغلالها وتم التجاوز عليها حالما باشرت البلدية استعدادها لتوزيعها على المواطنين. وهناك بساتين قديمة تم تجريفها، لكن بالمجمل لا يتم إزالة بيت متجاوز دون تعويض، لكن الإجراءات الحكومية بطيئة بهذا الشأن”.
مخالفة بيئية
تؤكد مديرية بيئة ذي قار أن تجريف الأراضي الزراعية والبساتين من دون الموافقات القانونية يمثل مخالفة بيئية. وبحسب المديرية، حصلت عمليات تجريف في مناطق “الزهيرية” و”الصخيرية” و”أبو شكة” الواقعة بالقرب من جامعة ذي قار.
ويقول مدير بيئة ذي قار موفق الطائي لـ”المنصة” إن فرق المديرية أجرت كشوفات ميدانية وفنية برفقة شرطة حماية البيئة، وخاطبت الدوائر المعنية والحكومة المحلية بشأن ما رصدته.
ويضيف: “لدينا متابعة شديدة لمثل هذه المخالفات البيئية، لأن تجريف البساتين والمساحات الخضراء من شأنه زيادة آثار التغيرات المناخية. ونحن نتابع أي تجريف يحصل ولدينا إجراءاتنا الخاصة بذلك”.
وبالنسبة إلى الأهالي، لا يزال الخطر مباشراً. يتوقع سيد أحمد أن تتعرض بستانه في أية لحظة لاقتحام آليات البلدية وتجريف ما تبقى منه، ويخشى أيضاً من هدم منزله.
ويقول: “ضاقت بنا السبل لإيجاد حل يوقف ما يجري في القرية. كان من المفترض أن نُكافأ على إحيائنا لهذه الأرض التي أصبحت مثمرة ومنتجة للخضروات والفواكه والتمور، لا أن نصبح ضحية ونحن نرى الآليات تمر فوق ما زرعناه ومستقبل أطفالنا”.
وفي شباط/فبراير 2025، أعلنت مديرية زراعة ذي قار أن المساحة الكلية للبساتين في المحافظة تبلغ نحو 48 ألف دونم، منها 826 دونماً تعرضت للتجريف خلال الأعوام من 2021 إلى 2024.
وفي كانون الأول/ديسمبر 2024، قالت المديرية إن المحافظة فقدت نحو 680 ألف دونم من الأراضي الصالحة للزراعة خلال العقدين الأخيرين نتيجة التصحر، من أصل نحو مليونين ونصف المليون دونم من الأراضي الصالحة للزراعة. وأضافت أن الخطط السابقة استهدفت استصلاح مليون دونم خلال ثلاثين عاماً، لكن ما جرى استصلاحه لم يتجاوز 24 ألف دونم.
وبينما تتوسع الناصرية بحثاً عن أراضٍ للسكن، يبقى الخلاف قائماً حول الثمن الذي تدفعه القرى الزراعية المحيطة بها: من يملك الأرض، وما الذي سبق الآخر، البساتين أم مخططات التوزيع، ومن يتحمل خسارة النخيل والمنازل إذا حُسم النزاع لصالح التوسع العمراني؟
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



