نغم مكي- البصرة
في مطبخ ضيق بمطعم مندي حضرموت في حي الجزائر بمدينة البصرة، أقصى جنوب العراق، تنبعث روائح التوابل مع البخار لتملأ المكان، فيما ينشغل خالد الحميري، الشيف اليمني، بتزيين أحد صحون المندي قبل إرساله إلى الزبون.
يهتم الحميري، المكنى بـ”أبو شلال”، بوضع لمساته الأخيرة على كل طبق بدقة، قبل أن ينادي بلكنته اليمنية الهادئة على النادل، الذي يحمله بخفة ليضعه أمام الزبون، وإلى جانبه اللبن الرائب وصلصة الدقوس والفلفل الأخضر الحار ومقبلات أخرى تكمل مشهد السفرة الممدودة على الأرض.
غادر أبو شلال اليمن في ظل شح فرص العمل إبان انتشار فيروس كورونا، وعمل في السعودية عاماً واحداً، قبل أن يحصل على دعوة للعمل في مدينة النجف العراقية، في منطقة الفرات الأوسط، ثم انتقل لاحقاً إلى البصرة، حيث انتشرت مطاعم المندي بشكل واسع، وباتت تبحث عن طهاة يجيدون إعداد الطبخة اليمنية الشهيرة.
يقول أبو شلال: “جاني عرض شغل من العراق، أهلي گالوا إحنا ما نعرف العراق كيف تروح وكذا، وأنا كنت ضروري أروح”.
أبو شلال، الذي ترك عائلته وأطفاله في مسقط رأسه بمحافظة شبوة النفطية الساحلية بحثاً عن الأمان ولقمة العيش بعد أن حاصرتها الصراعات، لم يكن مجرد طاهٍ مأجور في البصرة، بل كان حجر الأساس الذي أُرسيت عليه البنية التحتية لهذا المشروع. فقد تولى بنفسه الإشراف على التجهيزات اللوجستية وتأسيس المطبخ والمكان، واضعاً خبرته التي اكتسبها إلى جانب والده في مطاعم السعودية، منذ أن كان في الخامسة عشرة من عمره، في خدمة تصميم مطبخ يحافظ على أصالة المندي ويلبي طلبات الصالة.
ويعلق: “عملت منذ صغري، من عمر 15 سنة تقريباً، مع الوالد بالسعودية. كنا مع مطاعم، وهناك تعلمت الشغل، وتعدت خبرتي 15 إلى 16 سنة”.

في صالة الطعام الخاصة بالمندي، تتراجع الكراسي والطاولات التقليدية لصالح التصميم اليمني للجلسات، حيث يفترش الزبائن الأرض مجتمعين حول طاولة خشبية منخفضة. تمنح هذه الجلسات شعوراً بالبساطة والألفة، وتجعل الزبائن يتبنون طريقة الجلوس اليمنية التقليدية لتناول المندي باليد، وكأن المكان اقتطع لوحة بصرية حية من اليمن وزرعها في البصرة.
تبدأ تحضيرات خالد اليومية منذ الصباح الباكر، وعن تفاصيلها يصف يومه بلهجته اليمنية: “أجي الصباح على الدوام، عندي مساعد يجهز لي كل شيء، يغسل اللحم والدجاج ويجهز البصل والطماط والبطاطا، بعدين أجي أنا، على طول أبدأ أشتغل. الوجبة الواحدة من لحظة دخولها التنور حتى نضجها الكامل تحتاج أربع ساعات”.
ويتابع، واصفاً حركته أمام المواقد: “أول تبدأ كشنة، وبعدين تطرح المية، وبعدين تطرح اللحم، وعلى شوية شوية كذا”.
“كل شيف وله لمسة، وكل دولة ولها لمسات. نحن نشتغل بطريقتنا، وكل واحد له أسلوبه ونكهته الخاصة.” خالد الحميري – طاهٍ يمني في مطعم في البصرة
يكثف أبو شلال عمله يومي الخميس والجمعة، وبثقة يردد أن الطبق الذي يعتبره توقيعه الخاص هو “المندي”. وعن سر النكهة المميزة، يقول: “كل شيف وله لمسة، وكل دولة ولها لمسات”. أما الحطب، فيشترط أن يكون جافاً لضمان نضوج اللحم من دون أن يطغى عليه الدخان، ويعبر عن ذلك بلكنته الخاصة: “يعني يطلع ثوب المندي، ما يطلع فيه دخان”.
ويتحدث خالد عن رفاق غربته من الطهاة اليمنيين في البصرة قائلاً: “كثيرة هنا والله، بس ما أعلم كم”، ويستدرك موضحاً أن في كل مطعم اثنين أو ثلاثة منهم على الأقل. ولا يشعر بأي منافسة معهم: “ماكو، كل من عليه بشغله، وكل من طريقته ولمسته الخاصة”.
ولا تتوافر بيانات دقيقة تحدد تاريخ افتتاح أول مطعم مندي في البصرة، إلا أن المطاعم المتخصصة بالطبق كانت قد بدأت بالانتشار في مدن عراقية أخرى قبل وصول أبو شلال إلى البصرة. وتقول سلسلة مطاعم مندي حضرموت إنها تأسست في النجف عام 2019، قبل أن تتوسع إلى كربلاء والديوانية والمثنى ومحافظات عراقية أخرى، في مؤشر على اتساع سوق المندي في العراق خلال السنوات الأخيرة.

وتنتشر في البصرة مجموعة من مطاعم المندي، لكن بعض هذه المطاعم يستعين بطهاة عراقيين في محاولة لمنافسة مطاعم أخرى تفضل الشيف اليمني للحفاظ على النكهة الأصلية للمندي.
مروة عبد الحافظ تفضل تناول المندي في مطاعم محددة في البصرة، بعضها يستخدم طهاة يمنيين لإعداده، وتقول إن “الدجاج الذي يطبخه الشيف خالد الحميري له نكهة خاصة”، وهي تفضل المطاعم التي تقدم مندي الدجاج.
أما هشام المياحي، وهو من الشباب الذين يفضلون المندي، فيقول إن “الطعم يفتح النفس من أول لقمة، لتوازن تتبيلته التي تدفع الزبون للعودة مجدداً”.

في المقابل، يفضل منتظر الحلاق الأكل العراقي التقليدي، رغبةً في دسامة “المرق”، ولا يتناول المندي إلا مع الصلصات الحارة وفي مطاعم معينة.
وتوافقه زينب سامر في أن المندي يمثل تغييراً عن الأكلات الشعبية المعتادة، مفضلة طلبه إلى المنزل برفقة اللبن الرائب أو الصلصة الحارة. في حين يقف الصيدلاني كرار حيدر موقفاً أكثر حذراً بسبب مشكلات هضمية تجعله يتحفظ على إفراط بعض المطاعم في استخدام التوابل، معترفاً بأن الطبق، رغم كونه وافداً، أصبح جزءاً من مشهد الأكلات الشعبية المحلية وله جمهوره الواسع.
هذا الإقبال يفسره الشيف خالد، بحكم معاشرته الطويلة للعراقيين، بتفضيلهم الأرز. وبابتسامة تفصح عن خجله يقول: “هم يحبذون الأرز كوجبة رئيسية يومياً”. فالطبق لم يكن غريباً تماماً عن الذائقة المحلية بقدر ما كان امتداداً لمائدة اعتادت الأرز أساساً منذ زمن بعيد.

يؤكد أباذر العلي، الشاب الثلاثيني وصاحب مطعم مندي حضرموت، أن سر هذا الانتشار يكمن في حاجة البصرة إلى أكل مختلف وبسيط بسعر ملائم لمختلف الطبقات، بعيداً عن كلفة الفنادق والمطاعم الفخمة التي ينتقدها بشدة، قائلاً: “تدفع 100 ألف دينار عراقي”، ما يعادل نحو 75 دولاراً أميركياً، “على أكلة بسيطة أو عبارة عن مقبلات وكم طبق اسمه غريب”.
وخلف مشروع أباذر قصة تأثرت مباشرة بالحرب، إذ منعته الظروف في اليمن من السفر إليها لنيل وكالة حصرية. يقول: “ما گدرت أروح لليمن لظروفها الصعبة”. وبعد جولة في الإمارات وقطر، اصطدم بأسعار مرتفعة وأرقام وصفها بالمخيفة، ليستقر أخيراً على وكالة فرعية من النجف.
ولم يكن الحصول عليها بالأمر اليسير، إذ كان من بين الشروط اختيار اسم مطعم مختلف غير مسجل في غرفة التجارة، وهو أمر بات صعباً في ظل انتشار مطاعم المندي في البصرة. لكنه تمكن في النهاية من نقل التجربة إلى المدينة، مستقطباً فئة من الشباب الباحثين عن البساطة بعيداً عن الفخامة المكلفة.
“ما گدرت أروح لليمن لظروفها الصعبة، وبعد ما بحثت في الإمارات وقطر لقيت الأسعار مرتفعة، فاستقريت بالأخير على وكالة فرعية من النجف”. أباذر العلي، صاحب مطعم مندي في البصرة
لكن المندي اليمني لم يعد حكراً على الأيدي اليمنية فقد انتقلت أسرار إعداد الطبق وخلطات توابله إلى طهاة عراقيين محليين افتتحوا مطاعم تحاكي التجربة. ولم يكن هذا التحول مجرد خيار، بحسب أصحاب المطاعم، بل فرضته أزمات اقتصادية وارتفاع سعر الدولار، ما تسبب في تقليص أعداد الوافدين ورفع كلفة استقدامهم، من أجور السفر وتأشيرات الإقامة إلى المستحقات التي يطلبها الشيف المغترب.
ويوضح أباذر أن هذه التكاليف التشغيلية والأجور المرتفعة دفعت كثيراً من أصحاب المطاعم إلى الاستغناء تدريجياً عن الشيف المغترب والاستعانة بالبديل المحلي، عبر طهي المندي بأيدٍ عراقية استطاعت خفض النفقات وتقديم الطبق بسعر يلائم شريحة أوسع من الزبائن.

ورغم ذلك، يرى أباذر أن لمسة المندي اليمني الأصيل تبقى مميزة بتوابلها ونكهتها ولونها، ويعتبر ذلك جزءاً من سر المهنة. وبحسبه، يستطيع الزبون المعتاد على الطبق تمييز النسخة اليمنية بأرزها الأصفر المائل إلى لون الزعفران عن بعض النسخ المحلية التي يميل لون الأرز فيها إلى الأحمر نتيجة إضافة الدقوس أو الصلصة المحلية.
وتتعدد أصناف هذا المطبخ الوافد في البصرة. وترجع أصول المندي إلى حضرموت في اليمن، قبل أن ينتشر في الدول المجاورة ومناطق أخرى من العالم العربي.
وقبل وصوله إلى العراق، كان المندي في اليمن يطهى داخل حفرة غائرة تحت الأرض، من دون تنور أو موقد ظاهر، بل بحرارة الحطب أو الفحم داخلها. وتقوم الطريقة التقليدية لطهي المندي على استخدام التنور وترك اللحم ينضج ببطء على الحرارة المتولدة داخله. أما في البصرة، فاستبدل بعض الطهاة الحفرة بتنانير حديدية عمودية تعلق فيها قطع اللحم، كما تراجع استخدام الحطب الجاف في بعض المطاعم لصالح الغاز، في تحوّل تفرضه السرعة والكلفة.
وإلى جانب المندي، يبرز “المضغوط”، المطهو بسرعة بالدجاج تحت الضغط، و”الحنيذ” المشوي ببطء، و”المدفون” المطهو مع الخضار، وصولاً إلى “الزربيان” العدني المتميز بتوابله وبطاطسه.

ورغم غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة حول عدد اليمنيين العاملين في مطاعم البصرة، فإن العمالة الأجنبية عموماً باتت ملفاً خاضعاً لمزيد من التنظيم والرقابة في العراق. وتشير بيانات وزارة العمل العراقية إلى أن 6,532 عاملاً أجنبياً حصلوا على إجازات عمل خلال عام 2023، في مقابل آلاف آخرين مسجلين بوصفهم مخالفين أو ممن لم يستكملوا إجراءاتهم القانونية، ما يعكس صعوبة الوصول إلى رقم دقيق للعمالة الأجنبية الفعلية في البلاد.
أما العمالة اليمنية تحديداً، فتظل أرقامها قليلة الحضور في البيانات المنشورة، ولا تتوافر إحصاءات منفصلة يمكن من خلالها تحديد عدد العاملين في قطاع المطاعم في البصرة.
ويشير رصد المطاعم عبر الخرائط الإلكترونية إلى انتشار أكثر من 20 مطعماً متخصصاً بالمندي، تتوزع على سبع مناطق رئيسية في البصرة: حي الجزائر، والعشار، والبصرة القديمة، والطويسة، والجبيلة، وحي الحسين في الجمعيات، وبريهة.

يقف أبو شلال لثوانٍ بعد أن سكب آخر حبة متناثرة في طبق شهي أعده بيديه، مستحضراً حنينه الذي بدا واضحاً في عينيه المحمرتين وصمته، لعائلته وذكريات الحفرة الترابية مع والده في اليمن، قبل أن يعيده صخب الزبائن إلى واقع البصرة.
يبتسم برضا وهو يرى أريج الأرز المبخر يعبق في المكان، محمولاً بوعد شهي بأن تتذوق البصرة قطعة من روح صنعاء وشبوة، بلا جواز سفر ولا تأشيرة دخول.
تم إعداد ونشر هذه القصة بالتعاون مع موقع المشاهد اليمني
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



