موناليزا العراق: صورة غامضة في كل بيت وحكاية

المنصة | مهدي الساعدي
عاشت في مخيلة أبناء مدينة العمارة زمنًا طويلًا، فقد كانوا يحسبونها منهم كما تناقلت الحكايات الشعبية. أذكر جيدًا ما روته لي أمي عندما كنت صغيرًا، حين سألتها عن صاحبة هذه الصورة، فقالت إنها “ابنة المِعيدي”، وهي التسمية التي تطلق على سكان الأهوار ومربي الجاموس. حكت لي عن الضابط الإنكليزي الذي أحبها لجمالها، فاختطفها من أهلها وهرب بها إلى بلده، وهناك التُقطت لها صور أبهرت العالم بحُسنها. كنت آنذاك سعيدًا بهذه القصة الجميلة.
صورة “ابنة المِعيدي” ظلت حاضرة في ذاكرة العراقيين، لأنها ارتبطت بزمن جميل، ولأنها وجدت مكانها في كل بيت تقريبًا. ببشرتها البيضاء، وخديها الورديين، وشعرها المموج الطويل، وأنفها الصغير، أصبحت الصورة تُرسم أو تُطبع على الأواني الخزفية وأباريق الشاي، ويحب أهالي العمارة تسميتها بـ”الصيني”.
صورة لها ألف اسم

لم تقتصر شهرة اللوحة على ميسان أو الجنوب، بل عاشت في كل مناطق العراق واكتسبت تسميات متعددة. في الوسط، أُطلق عليها اسم “ابنة الفلاح”، وفي كركوك عُرفت بـ”صُمانجي قِيزي” (ابنة التبّان)، أما في كردستان، فكان اسمها “كيجيكا فروش”. لكن على اختلاف الأسماء، تقاسمت جميع الروايات نفس الحكاية.
حول صحة تلك الروايات، يوضح الكاتب والباحث في الشأن الفولكلوري علي العقابي للمنصة: “لا أعتقد أن أياً من تلك القصص حقيقية. الصورة نُسجت من الخيال، متأثرة بجمال المرأة العراقية، والدليل على ذلك تنوع الروايات بين المكونات والمناطق. إنها أقرب إلى مزيج بين خيال الفنان والانبهار بالجمال الشرقي”.
وأضاف: “كل طرف نسبها لنفسه، التركمان، الأكراد، وحتى أهالي الأهوار في ميسان. القصة الشائعة تقول إنها فتاة من الأهوار أحبها ضابط إنكليزي وتزوجها وأخذها معه إلى بريطانيا. اليوم، تُضرب بها الأمثال في الجمال، وبعضهم يشبهها بـ(موناليزا) العراق”.
موناليزا محلية بنكهة عالمية

رغم الاختلاف في تاريخ ظهورها، يُجمع كثيرون على أن الصورة إحدى تجليات الجمال العراقي.
يقول الباحث والأكاديمي علي مال الله من كركوك: “لا توجد مصادر تاريخية تؤكد أن هذه الشخصية حقيقية، لكن هذه الصورة أو صور مشابهة كانت شائعة في المقاهي والبيوت العراقية، وخصوصًا في النصف الأول من القرن العشرين. كانت تُطبع بكثرة على الأقمشة والصحون وحتى الجدران”.
ويضيف: “من الممكن أن تكون اللوحة أوروبية الأصل دخلت إلى العراق عن طريق الطباعة التجارية في تركيا أو أوروبا، وربما تمثل فتاة من الحريم العثماني أو علية القوم”.
حكاية شعبية بامتياز
باتت الصورة جزءًا من الحكايات المتوارثة، وتكررت في الأدبين التركماني والكردي، ودخلت في الأمثال والأهازيج، وتحولت إلى موروث مشترك يجمع أطياف العراق.
يعود مال الله ليقول: “الاسم الشعبي (بنت الصمانجي) ليس موثقًا تاريخيًا، بل تعبير شعبي ارتبط بصورة فنية منتشرة ترمز إلى الزمن الجميل وزخارفه. أما اللوحة نفسها، فمن المرجح أنها تنتمي إلى المدرسة الاستشراقية في أوروبا بالقرن 19، وتعبر عن تصورات خيالية للمرأة الشرقية”.
رواجها وأثر التسويق

لم تكن اللوحة بعيدة عن الاهتمام الإعلامي والثقافي. كُتب عنها كثيرون، وظهرت في تقارير عدة، كما أشار الباحث حيدر العلّاق إلى دور التسويق في انتشارها: “أعتقد أن رواج الصورة كان مرتبطًا بالترويج التجاري. الحكايات الشعبية المنسوجة حولها زادت من الإقبال عليها، خاصة بعد أن طُبعت على أوانٍ منزلية، وأصبحت أيقونة زمانها”.
وأضاف: “رُسمت الصورة باحترافية عالية، ومن المحتمل أنها لا تعود لشخصية حقيقية، بل ربما حتى القصة المحيطة بها مفبركة. ولا يوجد أي دليل يثبت ما تداولته الروايات، خاصة وأنها نُسبت إلى مناطق وشخصيات متعددة، من واسط إلى الحلة، ومن كركوك إلى السليمانية”.
بورتريه لا يشبه عامة الناس
تحليل تفاصيل الصورة يشير إلى أنها لا تمثل فتاة من عامة الشعب، بل تنتمي إلى الطبقات الميسورة. هذا ما أكده الكاتب علاء كولي من ذي قار: “الفتاة في اللوحة تنتمي للطبقة البرجوازية، ويتضح ذلك من ملابسها وإكسسواراتها. هناك دلالات رمزية في اللوحة تشير إلى الخصوبة، كما أن المرأة في الصورة لا تشبه بنات الأهوار أو الفلاحين، فهي لا تحمل ملامح البساطة، بل تنتمي بوضوح إلى طبقة راقية”.



