قصص من الشارع

من الحقول إلى الديون: كيف تؤثر الأزمة البيئية على نساء العراق؟

23/03/2026

بغداد – موج إياد

في أطراف بغداد، كما في قرى الجنوب، تتكرر القصة ذاتها: أراضٍ تتغير طبيعتها، مياه تزداد ملوحة، ومحاصيل لم تعد تغطي كلفتها. الهواء يختلط بدخان المصافي والمحارق وأكوام النفايات، مكوناً طبقات رمادية تحجب السماء وتثقل الرئة، فيما تتضافر المياه الملوثة لتزيد الوضع سوءاً على الأرض ومن يعمل فيها.

بالنسبة لكثير من النساء الريفيات، لم يعد التلوث مجرد رقم في تقرير رسمي، بل أصبح يعني خسارة الدخل وفقدان مصدر العيش والهوية. حيث تبدأ الفلاحات عملهن برائحة الدخان التي تلتصق بملابسهن، بينما تتراجع المحاصيل ولا تعطي الإنتاجية المعتادة، ما يزيد العبء على النساء المزارعات ويجعل عيشهنّ أكثر صعوبة.

نورية مطر، 54 عاماً، من أطراف التاجي، واحدة من هؤلاء النساء. عملت في الزراعة لسنوات طويلة، زرعت الحنطة وربّت البطيخ وكانت تعتمد على إيقاع المواسم في إعالة أسرتها، إلا أن السنوات الأخيرة غيّرت المعادلة.

المياه التي تصل إلى أرضها بدأت تأتي ملوحة بسبب الاعتماد على الآبار بعد انقطاع المصدر الأساسي للمياه منذ انتهاء الحرب ضد تنظيم داعش. تحتوي هذه المياه على نسب عالية من الأملاح والمعادن، خصوصاً عندما تُستخرج بكميات كبيرة ومن دون وجود مصادر سطحية تعوضها، ما يؤدي إلى زيادة ملوحة التربة وتراجع إنتاجية المحاصيل مع مرور الوقت.

تقول نورية: “قبل الزرع جان يجيب گواني مال فلوس، هسه المي مالح والغصن يابس وما يجيب أي ربح. حاولت أكثر من مرة… بس الحنطة ما تنطي، فقررت أتخلى عن الگاع وأبيعها.”

اعتماد الأراضي الزراعية على نهر دجلة من سامراء إلى بغداد يعني أن أي انخفاض في مناسيب المياه يؤثر مباشرة على الأراضي الزراعية، ويجبر المزارعين على اللجوء إلى المجاري المحلية المحدودة، ما يزيد من تعقيد أزمة المياه والملوحة.

تجربة نورية لا تبدو استثناءً. فوفق تقرير المساهمات الوطنية المحدثة للعراق (NDC) المقدم إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ عام 2026، فإن نحو 23 بالمئة من النساء العاملات في العراق يعملن في القطاع الزراعي، ما يعني أن شريحة واسعة من النساء تعتمد بشكل مباشر على الأرض كمصدر دخل.

في عرب جبور جنوب بغداد، اضطرت سرى محمود علي، 53 عامًا، إلى التوقف عن الزراعة بعد عقود من العمل في الأرض. بدأت العمل وهي في الثامنة من عمرها، وتعلمت مواسم الباذنجان والخيار والبامية، لكنها تقول إن الأرض لم تعد تستجيب كما في السابق، وإن الأمراض الجلدية بدأت تنهشها وعائلتها بسبب المياه الملوثة. “الأرض تعبت… والمحصول ما قام يثمر نفس قبل، والأمراض دتزيد علينا. ما خسرنا بس الزراعة، المواشي گامت ما تجيب ولا تحمل، وهذا شي أول مرة يصير”، تقول سرى. حين ضعفت الأرض، ضعفت معها قدرة المرأة على إعالة أسرتها، وترك الزراعة بالنسبة لسرى لم يكن مجرد خسارة وظيفة، بل فقدان لهويتها وهوايتها واستقلالها الاقتصادي في آنٍ واحد.

على الرغم من سنها، تواصل حِده صبحي، 78 عاماً، العمل رغم كل الخسائر، معتبرة الأرض جزءاً من حياتها، رغم أن خسائرها تراكمت عبر سنوات طويلة.

تقول: “خسرنا أكثر من ثلاثين مليون خلال عشر سنين فقط”، أي حوالي 23 ألف دولار. ارتفاع أسعار البذور والأسمدة وتدهور التربة جعل الزراعة أكثر كلفة وأقل جدوى، ومع غياب أي مصدر دخل بديل، تعتمد حِده على دخل محدود من دعم الرعاية الاجتماعية، يبلغ 300 دينار عراقي فقط، أي نحو 400 دولار. تقول: “الأرض ما تنزرع إذا ماكو كيماويات… وإذا ما نجيب ما يطلع زرع”.

بالنسبة لامرأة في عمرها، العمل لساعات طويلة تحت الشمس يمثل عبئاً مضاعفاً على صحتها، من أمراض مفاصل وفقرات إلى مشاكل جلدية وأمراض رئة، لكنها تستمر لعدم وجود بديل.

على المستوى الرسمي، يعترف المسؤولون بحجم الأزمة. المتحدث باسم وزارة البيئة، لؤي المختار، وصف التغير المناخي وشح المياه بأنه تحدٍ وجودي يمس حياة المواطنين والنمو الاقتصادي، مؤكداً وجود خطط لمعالجة الانبعاثات وتحسين إدارة الموارد.

ومن جهته، أقر وزير الزراعة عباس جبر العلياوي بأن التغير المناخي يتسبب سنوياً بخسارة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، مشيراً إلى التوجه نحو تقنيات ري حديثة وزراعة ذكية للتخفيف من الآثار. إلا أن الفجوة تبقى واضحة بين التصريحات الرسمية والواقع الميداني، حيث لا تملك كثير من الأسر الريفية هامش انتظار طويل لتعويض موسم خاسر.

التأثير لا يقتصر على الجوانب الاقتصادية. سعدية الجبوري، 39 عاماً، تربط بين التلوث وخسارة والدتها بعد سنوات من معاناة مرض الرئة: “التعب كان بالتنفس… والبخاخ كان وياها يوميا”. ورغم أن السبب لم يُحسم طبياً، تشير إلى تزايد التلوث في منطقتها وارتفاع حالات الوفاة بشكل لافت، كما تتحدث عن كميات التراب على الملابس والحشرات الغريبة التي بدأت تهاجم المحاصيل.

بعيداً عن بغداد، في شرق ميسان قرب هور الحويزة، تتصاعد المخاطر البيئية بفعل التوسع النفطي. القرى القريبة من الحقول النفطية تتعرض لانبعاثات مستمرة من الشعلات الغازية ومخلفات نفطية.

الناشط البيئي مرتضى الجنوبي يقول: “وثقنا حالات ولادات مشوهة في منازل تبعد أقل من 500 متر عن الحقول.. أربع شعلات غازية مستمرة من سنوات وما تنطفي”.

التلوث لا يقتصر على الولادات، بل يمتد إلى أمراض تنفسية وسرطانية، إضافة إلى تدهور التربة والمزروعات، ما يضاعف الضغط على النساء اللواتي يعملن لساعات طويلة في بيئات مفتوحة.

في ظل هذه المعطيات، تتحول الزراعة من مصدر استقرار إلى مصدر قلق يومي، خصوصاً للنساء اللواتي يشكلن نسبة معتبرة من العاملين في هذا القطاع. فبين أرض تتقلص مساحتها، ومياه تزداد ملوحة، وهواء مثقل بالتلوث، تبقى الأسئلة مفتوحة حول قدرة السياسات الحالية على حماية سبل عيش النساء الريفيات في السنوات المقبلة.

التقارير البيئية لعام 2026 تؤكد أن العراق ما يزال من أكثر الدول تأثراً بالتغير المناخي في المنطقة، مع استمرار تقلص المساحات المزروعة وزيادة هشاشة التربة. الدولة تتحدث عن الاقتصاد والأمن الغذائي، لكن البيوت الريفية تشهد وجوها حقيقية للمعاناة. النساء يستيقظن قبل الفجر، يحملن السلال، يقفن تحت الشمس والبرد، وحين تتراجع الأرض، لا تتراجع الأرقام فقط، بل يتراجع شعور الأمان داخل البيت. وهكذا تبقى الفلاحة العراقية واقفة بين أرض تتقلص، هواء مثقل، ماء شحيح، ووعود تنتظر وقتها.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: كيف تعيش امرأة ريفية بلا أرض، في بلد تتراجع فيه الموارد الطبيعية وتزداد المخاطر البيئية كل يوم، بينما يبقى حلمها بالحياة الكريمة مرتبطاً بقدرتها على مواجهة واقع صارخ يفوق إرادتها الفردية؟

أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali