البصرة- نغم مكي
تقف شهد أحمد في زاوية هادئة من موقع التصوير، تمسك الورقة بين يديها، فيما يمتد السيناريو أمامها بخط واضح. تقرأ السطور ببطء متعمّد، تتوقف عند بعض المقاطع، ترفع عينيها نحو الممثلين، ثم تعود إلى النص. تغلق عينيها لثوانٍ، قبل أن تشير بيدها إلى موقع مختلف وتقترح حركة جديدة.
تضع الورقة جانباً وتجلس خلف الكاميرا، تستقر عيناها على العدسة كما لو كانت تواجه شخصاً تعرفه جيداً. لا تستعجل، تنظر في الشاشة الصغيرة الملتصقة بالكاميرا، وتضبط زاوية التصوير بهدوء وثقة. وحين يقف الممثل في مكانه وتبدأ العدّة، يتبدّل شيء في ملامحها، ينحسر الكلام، ويحل محله تركيز كثيف. هنا لا تبدو كمخرجة تؤدي عملها، بل كصانعة عالمٍ خاص بها، فتاة من البصرة تصنع عالمها بيديها.
شهد أحمد، الشابة العشرينية، خريجة قسم الفنون السينمائية والتلفزيونية، هي اليوم واحدة من الأصوات النسائية القليلة في مشهد الإخراج البصري.
تواصل شهد عملها بهدوء وثقة متراكمة. تحمل كاميرتها وتدخل إلى مواقع التصوير، تعيد المشهد مرة ومرتين وعشراً، مع تعديلات صغيرة في الأداء والحركة..
بدأ شغفها بالصورة من التصوير الفوتوغرافي، قبل أن يتجه تدريجياً نحو الإخراج. خلال دراستها الأكاديمية، تعرّفت على نظريات السينما وبناء السرد وتحليل الصورة، ما جعلها تنظر إلى الفيلم بوصفه بناءً فكرياً وبصرياً متكاملاً، لا مجرد حكاية.
لم يكن لهذا التحول أن يكتمل لولا الدكتور بهاء الكاظمي، الذي تعتبره شهد الأب الروحي لمسيرتها السينمائية. تستعيد اسمه أكثر من مرة خلال الحديث، وتربط بينه وبين بداياتها الجدية في فهم السينما. تقول إن حضوره جعلها ترى الكاميرا “لغة كاملة لها نحوها وشعرها”، وهو ما انعكس على طريقة تعاملها مع الصورة لاحقاً.
الفيلم الأول كان كان رهاناً جريئاً في مدينة تحتفظ بكثير من أسرارها خلف الأبواب المغلقة. اختارت شهد أن تتناول العنف ضد المرأة، موضوع يُثقل صدور كثيرين لكن قليلين يجرؤون على رفعه إلى مستوى الشاشة. فيلمها “فوز” (2023)، يحمل اسم الشخصية الرئيسية، ويركز على فكرة “الصمت” وما يخلّفه من أثر نفسي واجتماعي. تعتمد فيه على مشاهد داخلية وإيقاع هادئ، يترك مساحة لملامح الشخصية وحركتها.

شارك الفيلم في مهرجانات محلية ودولية وحصد جوائز عدة، منها المرتبة الثالثة في مهرجان السينما النسوي في بغداد، وجائزة في الملتقى الجامعي للإبداع السينمائي في جامعة البصرة، وجائزة أفضل إخراج في مهرجان DXB SHORTS INT’L FESTIVAL في الإمارات، إضافة إلى تقدير في ملتقى السينما في عيون نسوية بأربيل.

جاء الفيلم الثاني من مكان مختلف تماماً، ليس فقط جغرافياً بل في عمق ما يُريد أن يقوله. “مكب الأمنيات” عام 2024، كان أقرب إلى قراءة نفسية للطفولة، يرصد كيف يمكن للبيئة القاسية أن تصنع قوة داخل الطفل، وكيف يكون هذا الطفل قادراً على تحقيق أحلامه البسيطة رغم بيئة لا ترحم طفولته. نزلت شهد إلى عالم هؤلاء الأطفال بكاميرتها، ورصدت وجوههم وحركاتهم وأصواتهم بتلك العين الدقيقة التي لا تكتفي بما هو أمامها بل تبحث دائماً عما هو خلفه.

ولا تتوقف تجربة شهد عند الأفلام القصيرة، إذ كانت مساعدة مخرج في فيلم الدكتور بهاء الكاظمي “زوج احتياط” عام 2025 وهو ما منحها دخولاً فعلياً إلى عالم أكثر احترافية. ثم خطت خطوة أوسع حين تولت الإخراج المنفذ لمسلسل “المغيسل”، دراما ورعب 2025، لتكون بذلك قد وضعت قدمها بثقة داخل عالم الدراما التلفزيونية البصرية.

تسعى شهد في أعمالها إلى تقديم سينما إنسانية تلامس قضايا المجتمع، خاصة المرأة والطفل، بأسلوب بصري صادق ومؤثر. وترى أن “السينما لغة قادرة على تفكيك الواقع وإعادة صياغته بصرياً”، وهذه القناعة هي ما يدفعها إلى المضي رغم التحديات.
تصمت شهد قليلاً، ثم تستأنف حديثها قائلة: “أواجه صعوبة قلة الإمكانيات الإنتاجية، إضافة إلى كوني امرأة أقود فريق عمل داخل بيئة ليست دائماً داعمة، وهذا وحده كان يتطلب جهداً مضاعفاً لإثبات الحضور والسيطرة على قيادة وتوجيه العمل السينمائي”.
وخلال حديثها، لا تقدّم شهد هذه التحديات كعائق، بل كجزء من مسارها، دفعها إلى مزيد من الإصرار على الاستمرار وصناعة نتاج حقيقي رغم كل الظروف، “هذه التجارب ساهمت في بناء شخصيتي كمخرجة وخلتني أكون موجودة بشكل فعال داخل السينما”.
توضح شهد بأن العراق والبصرة يفتقران بشكل واضح إلى حضور نسائي في السينما، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى وجود بدايات تراها مهمة، تحتاج إلى بيئة داعمة كي تنمو. وترى أن “السينما العراقية تمر اليوم بمرحلة حراك فعلي، أشبه بعملية إعادة تشكّل لهويتها، يعتمد بدرجة كبيرة على المبادرات الفردية والشغف، مع حاجة مستمرة إلى دعم مؤسساتي أوسع وأكثر استقراراً”.
هذه الصورة التي ترسمها شهد يؤكدها نقيب الفنانين العراقيين في البصرة فتحي شداد، الذي يصف واقع السينما في المدينة بأنه “حراك خجول لكنه واعد”، لا يزال في طور المحاولات الفردية ويعاني من غياب بنية تحتية حقيقية. فالطاقات الشبابية المبدعة موجودة، غير أن العمل السينمائي يُنجز غالباً بجهود ذاتية وإمكانيات محدودة، من دون صناعة متكاملة أو مؤسسات إنتاج فاعلة.

يشرح شداد أبرز التحديات التي تواجه هذا القطاع، متمثلة في غياب التمويل والدعم المؤسسي، وعدم توافر دور عرض سينمائية حديثة، وضعف ثقافة الإنتاج، وشُح المعاهد والورش المتخصصة، وانعدام شركات إنتاج حقيقية، فضلاً عن هجرة الكفاءات الفنية أو إحباطها.
ويعزو النقيب غياب دور العرض إلى جملة من الأسباب المتشابكة، في مقدمتها تدهور البنية التحتية بعد عام 2003، وغياب الاستثمار الحقيقي في القطاع الثقافي، وتحول الجمهور نحو المنصات الرقمية، إلى جانب غياب سياسات حكومية واضحة لدعم السينما.

يتابع شداد حديثه للمنصة عن المرأة في الإخراج، مؤكداً أن حضورها يثري المشهد السينمائي البصري، إذ يضيف بعداً إنسانياً وجمالياً مختلفاً ويغني الرؤية البصرية والطرح الدرامي، مشيراً إلى أن “السينما بطبيعتها تحتاج إلى تنوع في وجهات النظر، وأن المرأة تمتلك حساسية خاصة في تناول الموضوعات الاجتماعية والإنسانية”.
أما عن دور النقابة، فيؤكد شداد أنها تنظر إلى المخرجين الشباب باعتبارهم النواة الحقيقية لمستقبل السينما، وتسعى ضمن إمكانياتها إلى دعمهم عبر إقامة ورش تدريبية واحتضان التجارب الأولى وتسهيل مشاركاتهم في المهرجانات، مع الإقرار بأن هذا الدعم ما زال بحاجة إلى تطوير وتوسيع ليكون أكثر تأثيراً واستدامة.

ويرى شداد أن ما تحتاجه السينما البصرية لتنهض بشكل حقيقي يتجاوز حدود ما تستطيع النقابة وحدها توفيره، ويشمل بناء دور العرض والاستوديوهات، وإصدار تشريعات داعمة، وإنشاء صناديق تمويل للأفلام، وتطوير التعليم الأكاديمي المتخصص، وإقامة شراكات مع مؤسسات عربية ودولية، وصولاً إلى تنشئة جمهور واعٍ ومهتم بالسينما.
ويشير إلى أن النقابة تعمل على خطوات عملية في هذا الاتجاه، منها تنظيم مهرجانات سينمائية محلية، والتعاون مع الجهات الحكومية لإعادة تأهيل دور العرض، ودعم المبادرات الشبابية، وفتح قنوات تواصل مع منصات عرض عربية ودولية.

في مواجهة كل هذا، تواصل شهد عملها بهدوء لا يوحي بالتراجع، بل بثقة متراكمة. تحمل كاميرتها وتدخل إلى مواقع التصوير، تعيد المشهد مرة ومرتين وعشراً، مع تعديلات صغيرة في الأداء والحركة، حتى تلتقط ما تبحث عنه: ذلك التفصيل الحي الذي لا يظهر في الصورة إلا حين ينسحب التمثيل ويقترب الأداء من صدقه.
“زوم… أكشن”. يبتسم وجهان أمام الكاميرا. خلفها، تثبّت شهد اللقطة دون أن تتحرك. ينتهي المشهد، ترفع نظرها عن الشاشة، وتبتسم. لقطة تُغلق، وأخرى تبدأ.
أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



