قصص من الشارع

نساء بلا أسماء.. حكاية الغياب اليومي

27/06/2026

البصؤة- نغم مكي

على جدار من الطابوق في بيت قديم، تتوسطه لافتة سوداء، كُتبت كلمات حداد على روح امرأة. ذُكر أبناؤها جميعاً واحداً تلو الآخر، لكن اسمها غاب. لم تُعرَّف إلا بكونها “أم فلان”. كأن المرأة التي عاشت وماتت، وأنجبت وربّت، لا تستحق أن يُكتب اسمها كاملاً حتى في لحظة الوداع الأخيرة.

في مقام الإمام علي بن موسى الرضا، في قلب العشار، وسط مدينة البصرة الجنوبية، تجلس مجموعة من النسوة متشحات بالسواد. في طرف المجلس، تتربع امرأة في بداية عقدها السادس. وجهها نحتته السنون، في يدها اليمنى مسبحة سوداء، أما يدها اليسرى فتنشغل بالصعود والهبوط كلما اشتدت أطراف الحديث.

“ما يرضون”. بهذه العبارة تبدأ أم غايب حديثها عن رفض المجتمع ذكر اسم المرأة أمام الغرباء أو في التجمعات. تعتبر اسمها أمراً شخصياً بحتاً، لا يُنطق أمام من لا تعرفهم. فهو، في نظرها، لا يمثلها وحدها بل يمثل عائلتها كاملة. تحمله في صندوق أسود، وتفضل أن تُنادى بكنيتها: أم غايب.

تبرر أم غايب سبب رفضها بعبارة واحدة: “يمه، أكو ناس تستغل اسم البنية”. جملة صغيرة تختزل نظرة مجتمع بأكمله، حيث لا يحمل اسم المرأة هويتها فقط، بل يحمل معه الأعراف والتقاليد والخوف من استغلاله في أعمال خارقة للطبيعة. تقول ذلك بقناعة صارمة، وتشير بيديها كأنها تثبت نظرية علمية درستها طويلاً: امرأة تنظر إلى المرأة من ماضٍ بعيد، وترى أنها ظل للرجل لا ينبغي أن يميل عنه.

لكن أم غايب تناقض قناعتها في الوقت نفسه حين تتحدث عن معتقداتها الدينية. فهي تؤمن بأن الذرية ستُنادى باسم الأم أمام الناس يوم القيامة، وأن الفاتحة تُقرأ على روح “ابن فلانة”. هكذا يبدو اسم المرأة معترفاً به في السماء، ومغيّباً في مجتمع متزمت بالأعراف.

في بقعة أخرى من المدينة، يسرد عبد الأمير خليل، وهو رجل في الستين من عمره، تجاربه في الحياة. يحمل وجهه أثر سنوات طويلة في الوظيفة الحكومية، هادئ الطباع، يزن كلامه قبل أن يُخرجه. حين يُسأل عن ذكر اسم والدته أمام المعارف، يتردد قليلاً ثم يقول: “والله ما بيها شي، بس بعض الناس يخافون من السحر. الوالدة هي التي يركز عليها السحرة، اسمها هو المدخل”. يعترف أنه أحياناً يتحاشى ذكر الاسم، بحسب الشخص الذي أمامه وما يقرأه من نواياه.

عبد الأمير خليل
عبد الأمير خليل

ثم يضيف بنبرة من جرّب لا من سمع: “قريب لي مرة عُمل له سحر أسود، وتبين أن السحر عُمل عن طريق اسم والدته”. يشدد عبد الأمير على قناعته قائلاً: “شفناه بعينا كيف سيطر عليه. هذه مجرّبة، مو بس كلام”.

لكن حين يُسأل عن اسم زوجته أو ابنته، يتغير وجهه: “لا، بالعكس، أذكرهم بأسمائهم عادي”. يبدو أن الخوف انتقائي، يتركز في اسم الأم تحديداً. يرفض ظاهرة اختزال المرأة في النعوات بوصفها جهلاً، ثم يعود بعد صمت ليقول: “أنا شخصياً ما أذكر اسم زوجتي خارج البيت”. تناقض لا يحاول إخفاءه، بل يعيش داخله بارتياح لا يفسره.

تختلف تجربة أشواق طالب منصور، ممثلة شؤون المرأة في تربية قضاء الفاو، والناشطة في مجال المرأة والطفل، وعضوة الفريق الوطني للمرأة، والمرشحة السابقة لمجلس المحافظة ومجلس النواب. فهي تنظر إلى تغييب أسماء النساء من باب المصلحة السياسية بقدر ما تراه موروثاً اجتماعياً. تجربتها في عالم السياسة جعلتها أكثر وعياً بكيف يُستخدم الاسم، وكيف يُخفى، وكيف يمكن أن يتحول إلى أداة انتخابية. أشواق امرأة تعودت أن تُحارَب قبل أن تتكلم.

أشواق طالب منصور
أشواق طالب منصور

تقول بتردد، كمن يراجع ورقته قبل الامتحان، إنها في آخر ترشح لها تعرضت لتهديد بالقتل حتى انسحبت. تتنهد بحسرة، ثم تقول بمرارة: “المرأة محاربة من عدة اتجاهات”.

وبحسب تجربتها، فإن كثيراً من المرشحات يضعن كنية الزوج بدل أسمائهن في الملصقات الانتخابية. “إذا كان زوجها شيخ عشيرة معروفاً، تحسب أن اسمه يجلب أصواتاً أكثر من اسمها”. تصمت ثم تضيف: “تُرشح المرأة باسم غيرها لتفوز، وإن فازت يُنسب الفوز لمن وراءها”.

تتوافق الشابة الثلاثينية هناء معد مع ما ذكرته أشواق، لكنها تنظر إلى الاسم من زاوية أخرى. فالاسم، في رأيها، قد يُستخدم لتحقيق مصلحة، لا باعتباره هامشاً اجتماعياً فقط. تتحدث هناء وفي عينيها بريق من يعرف كيف يحوّل العقبة إلى فرصة.

هناء معد
هناء معد

بدأت هناء مشروعها المتواضع بافتتاح صالون حلاقة نسائي باسم مستعار. تقول بصراحة إن الأمر ليس إخفاءً للهوية بقدر ما هو حسابات سوق: “الاسم الغريب يلفت الانتباه ويجلب شهرة أكبر”. لكنها تضيف ما هو أعمق: “بعض العائلات لا تُقبل على محل تجاري يحمل اسم امرأة صريح، تحسباً للأعراف والتقاليد ولحالة المرأة الاجتماعية في المجتمعات المنغلقة”.

تتغير نبرتها قليلاً ثم تكمل: “الأرملة أو المطلقة وضعها أصعب. اسمها يصبح نقطة ضعف لعائلتها، فالأفضل اسم تجاري يرفع أي ريبة أو سوء فهم، ويحقق ربحاً أكثر لعملها”.

أما الشاب العشريني مصطفى رحيم، الذي قد تمثل نظرته الغالبية العظمى من أبناء جيله، فيجمع بين الفضول والحيرة. إنه جيل يتحرك بين القيم الموروثة ومنصات التواصل الاجتماعي، من دون أن يطمئن تماماً إلى أي منهما.

مصطفى رحيم
مصطفى رحيم

تعلو وجهه ابتسامة صغيرة، ثم يشرح ما يدور في خلده: “الأسباب متعددة؛ منها غيرة أو شهامة”. ثم يخلط أوراقه قائلاً: “أو ربما عادات عشائرية”. يصمت لحظة، ثم يتابع بثقة: “أو خوف من السحر”. يقول إن أغلب أصدقائه يعرفون اسم والدته ويحترمون ذلك، لكن الاسم حين يُذكر على سبيل الاستفزاز “يتحول إلى موضوع آخر كلياً”.

يلاحظ مصطفى أن الفارق بين الريف والمدينة بدأ يتقلص، ثم يعود إلى حيرته قائلاً: “ما عرفت إن كان هذا تطوراً أم العكس”.

سندس الزبيدي، الناشطة المدنية، ترصد المشهد بعيون من رافقته سنوات. ترى أن هذه الممارسات متوارثة أكثر من كونها مقصودة، “لكنها تترك أثراً حقيقياً على حضور المرأة وهويتها”. تؤمن سندس بأن التغيير يبدأ من الخطاب اليومي، في النعوات وبطاقات الأفراح والتعزية وعلى منصات التواصل. تقول: “حين تكتب اسمها تماماً كما تكتب اسمه، أنت لا تفعل شيئاً استثنائياً، أنت فقط تُقر بأنها موجودة”.

صفاء حسين، الأخصائية الاجتماعية، تضع المشهد في سياقه الأعمق. تقول: “في البصرة تتداخل الأبعاد العشائرية والنفسية لتحوّل اسم المرأة إلى عورة سمعية يُحظر تداولها أمام الغرباء”. تميز صفاء بين نوعين من الكُنى: كُنى تبجيلية تمنح المرأة وقاراً داخل بيتها، وكُنى إخفاء تُستخدم في الفضاء العام هرباً من حرج اجتماعي متخيل.

وتربط هذا التغييب بما هو أخطر من اللغة وحدها: “في قضايا الميراث، يتحرج البعض من ذكر اسم الأخت في مجلس التقسيم، فيسهل قضم حصتها أو إجبارها على التنازل. التغييب اللغوي يمهد لسلب الحق المادي”. وتؤكد أن المشهد يتغير اليوم بفعل التعليم وسوق العمل، اللذين فرضا الاسم قانونياً، وبفعل جيل من الشابات اللواتي يحملن أسماءهن الثلاثية بفخر في الفضاء الرقمي.

يتفق عدي شبيب، من قسم علم الاجتماع، مع صفاء في رؤيته إلى أن خروج المرأة إلى سوق العمل والفضاء الرقمي رفع من حضورها تدريجياً. لكنه يرى أن “المعركة الحقيقية ليست في القانون، بل في اللغة اليومية التي نعيد فيها تعريف من تكون المرأة”.

أما في شارع الفراهيدي، ذلك الشريان الثقافي العتيق في قلب البصرة، فتقبع مكتبة الجزائري بين رفوفها المكتظة بالكتب، كأنها تقاوم نسيان المدينة بصمت. يقف توفيق يعقوب الجزائري، عضو اتحاد أدباء البصرة، أمام مجموعة من الكتب التي دأب على ترتيبها. رجل تشير ملامحه إلى أنه قرأ كثيراً، وخالف كثيراً، وتصالح مع ما لا يتغير. يتحدث عن تغييب اسم المرأة بلغة من يعرف أن الظاهرة أقدم من أي نقاش حولها.

توفيق الجزائري
توفيق الجزائري

يقول وهو يشير إلى الكتب من حوله كأنها شاهدة على كلامه: “هذا الموضوع قديم قدم الجاهلية. نحن مجتمع عشائري تحكمه الأعراف، وهذه الأعراف اتخذت من المرأة وصمة منذ زمن بعيد”. لكنه لا يقف عند التشخيص، بل يضيف بإنصاف: “المرأة اليوم أخذت حريتها بالعمل وفي كل مكان، وهذا واضح لمن يقارن بما كانت عليه قبل عشرين أو مئة سنة. لكن أموراً تبقى حالها، ومنها عدم ذكر الاسم”.

يستشهد الجزائري بعلي الوردي، الذي طالما استأنس بأفكاره: “الإنسان يعتقد أنه حر في سلوكه، لكنه ليس حراً بالمعنى الكامل. المجتمع والأعراف هي التي تسيره. هناك تنويم اجتماعي يشبه التنويم المغناطيسي”. يقولها بلا حدة ولا إدانة، كمن يصف قانون الجاذبية.

ثم ينطق بنبرة حازمة: “أنا لا يُشكل عليّ ذكر اسم أمي أو زوجتي أو ابنتي أمام أحد”. بعد ذلك يتحدث عن فجوة التناقض في المجتمع: “نحن نجهر علناً بأسماء زوجات النبي وبناته، وفاطمة الزهراء وزينب يُنادَين بأسمائهن ليلاً ونهاراً”. يتوقف قليلاً، ثم يبتسم ابتسامة فيها شيء من السخرية الهادئة: “هؤلاء أطهر خلق الله، وعند نسائنا نتكتم بأسمائهن! هذا نوع من النفاق الاجتماعي”.

في الخارج، يختفي المارة شيئاً فشيئاً، وتتلاشى الأصوات. لا يبقى سوى خشخشة اللافتة السوداء المنسية على الجدار، تكاد الريح تمزقها. هناك، وسط البياض المفقود بين كلمات الحداد، يغيب الاسم الذي نُسي أن يُخط، اسم يشير إلى كيان امرأة عاشت وماتت على الهامش.

 

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali