قصص من الشارع

الزحف الصامت.. أراضي البصرة بين المناخ وسوق العقارات

30/06/2026

البصرة- سندس الزبيدي

يقف صكبان جخيور، البالغ من العمر 71 عاماً، عند أطراف أرضه في قضاء أبي الخصيب، شرق مدينة البصرة. يتأمل مزرعة كانت لسنوات طويلة تنتج تمور البرحي وأنواعاً من الخضار. يقول: “كانت المزرعة تنتج آلاف الكيلوغرامات من التمور عالية الجودة، إلى جانب كميات كبيرة من الباميا كل عام، لكن كل شيء تغيّر”.

جاء التراجع تدريجياً. ارتفعت ملوحة المياه والتربة، وتراجع الإنتاج، وارتفعت كلفة الزراعة، حتى لم تعد الأرض قادرة على تأمين دخل مناسب. في عام 2021، قرر صكبان تقسيم أرضه إلى قطع سكنية وبيعها بأسعار متواضعة، ثم انتقل إلى المدينة، بعدما وجد أن الاستمرار في الزراعة لم يعد مجدياً.

في ناحية سفوان، أقصى جنوب البصرة، عند الحدود مع الكويت، يتكرر المشهد مع محمد جاسم سلمان، البالغ من العمر 67 عاماً، وهو أب لأربعة أولاد. كان يزرع الحنطة والشعير وبعض الخضروات الموسمية، وتنتشر في مزرعته أشجار النبق. قاوم تراجع الإنتاج لسنوات، قبل أن يتخذ قراره الصعب عام 2019. يقول: “تكاليف الزراعة ارتفعت بشكل كبير، من الوقود إلى البذور والأسمدة، بينما المحصول ما عاد يغطي المصاريف، فقررت بيع الأرض والاتجاه إلى عمل آخر”.

أما حسين عبد الله سدخان، البالغ من العمر 58 عاماً، من منطقة السيبة، فباع جزءاً من أرض كانت مصدر رزق عائلته لعقود. حسين أب لستة أبناء، عاش سنوات طويلة بين زراعة الطماطم والباذنجان وبين نخيل ورثه عن آبائه. لكن مياه شط العرب لم تعد كما كانت. ارتفعت الملوحة، وتراكمت الخسائر، حتى اضطر عام 2021 إلى بيع 12 دونماً من أرضه. يقول: “المحصول صار يخسر أكثر مما يربح، والمياه ما بقت صالحة للزراعة مثل قبل، فاضطررت أبيع الأرض حتى أقدر أعيل أطفالي”.

باع حسين الأرض بمئتي مليون دينار، لكنه لم ينتقل إلى حياة أكثر استقراراً. يعمل اليوم كاسباً مع أولاده، في مهنة لم يكن يتخيل أن تنتهي إليها حياة عائلته بعد سنوات من العمل في الزراعة.

وفي الفاو، يروي كاظم مهاوي رشم، البالغ من العمر 63 عاماً، وهو أب لسبعة أبناء، قصة مشابهة. كانت أرضه الممتدة على عشرة دوانم مليئة بالنخيل، وتزدهر فيها زراعة الرقي والبطيخ في مواسمها. يقول مشيراً إلى ما تبقى من الأرض: “كان عندي أكثر من 300 نخلة، اليوم ما بقى منها إلا القليل”.

لم تترك الملوحة أمام كاظم خيارات كثيرة. في عام 2022، اضطر إلى بيع جزء من الأرض، بعدما تحولت من مصدر رزق وفخر إلى عبء يستهلك الجهد ولا يمنح مقابلاً كافياً.

تتقاطع قصص هؤلاء الفلاحين في نقطة واحدة: الأرض التي كانت تمنح دخلاً ثابتاً لم تعد كذلك. بين نخيل تراجع، ومياه ارتفعت ملوحتها، وتكاليف زراعية زادت، وسوق عقارات يغري بالبيع، بدأت مساحات زراعية في البصرة تتحول تدريجياً إلى قطع سكنية، فيما يفقد الفلاحون مصدر رزقهم القديم.

لا ترى الناشطة صفاء أمين، مديرة جمعية أمين للإغاثة والتنمية، في هذه القصص حالات فردية معزولة، بل مؤشراً إلى تراجع أوسع في مساحات البساتين والأراضي الزراعية في محافظة البصرة. في حديثها، تعود صفاء أكثر من مرة إلى فكرة أن التدهور لم يأتِ من سبب واحد. فالتغيرات المناخية، ونقص الواردات المائية، والتوسع العمراني غير المنضبط، والتجاوزات المستمرة، كلها عوامل تجمعت في مساحة واحدة، بينما بقيت القوانين أضعف من أن توقف هذا المسار.

تقول صفاء إن “تجريف الأراضي الزراعية وتحويلها إلى مشاريع سكنية أسهم بشكل كبير في تقليص المساحات الخضراء وتدهور خصوبة التربة، في ظل ضعف واضح في الرقابة وقصور في تنفيذ القوانين”. في رأيها، لم يعد قرار البيع مرتبطاً بالخسارة الزراعية وحدها، بل أيضاً بإغراء أسعار الأراضي. فحين تتراجع جدوى الزراعة، يصبح بيع الأرض أو تغيير استخدامها خياراً أقرب إلى المالك من انتظار محصول لا يغطي كلفته.

وتضع صفاء التصحر ضمن العوامل التي تضغط على البصرة من جهة أخرى. ففقدان خصوبة التربة لا ينعكس على الفلاح وحده، بل على الإنتاج الزراعي المحلي، وعلى الأمن الغذائي والبيئي في المحافظة. وتشير إلى أن العراق يمتلك تشريعات واضحة، مثل قانون حماية وتنمية الإنتاج الزراعي رقم 71 لسنة 1978، الذي ينص على “العناية بالأرض وعدم ترك زراعتها أو استعمالها لغير الأغراض الزراعية”، لكنها ترى أن النص القانوني لا يكفي حين يغيب التطبيق.

وتقول: “الأسباب كثيرة، فأصحاب الأراضي تفكيرهم بالمال فقط، والمواطن صوته مغيب، والحكومات المتعاقبة فيها فساد كبير ولا تفكر ببلد أو مواطن”. بالنسبة لها، لا تنفصل أزمة الأرض عن ضعف الرقابة، ولا عن الفساد والمصالح الحزبية والانتخابية التي تجعل تطبيق القوانين أمراً صعباً على الأرض.

في جنوب البصرة، تبدو بساتين أبي الخصيب مثالاً واضحاً على هذا التراجع. مسؤول في مديرية زراعة البصرة، فضّل عدم الكشف عن اسمه، يحذر من أن “الاختفاء التدريجي لبساتين أبي الخصيب لن يترك في الأسواق سوى أنواع أقل جودة من التمور، نتيجة تفاقم ملوحة المياه وتراجع إمداداتها”. لا يتحدث المسؤول هنا عن خسارة منظر أخضر فقط، بل عن تغير قد يطال نوعية الإنتاج نفسه، وعن سوق تمر قد تفقد واحداً من مصادر جودتها.

من جهته، يرى مدير بيئة البصرة السابق وليد الموسوي أن المحافظة “تفتقر إلى قوانين فعالة قادرة على إيقاف تدمير البساتين”. في حديثه، تظهر العلاقة بين الشجرة والمدينة بوضوح؛ فإزالة الأشجار وتجريف الأراضي لا تعنيان فقط تحويل أرض زراعية إلى بناء، بل تسرّعان وتيرة التصحر وتعمّقان الأزمة البيئية في منطقة تعاني أصلاً من شح المياه والملوحة.

وتعود أزمة المياه في معظم الشهادات بوصفها العامل الأكثر حضوراً. مدير مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان في البصرة، مهدي التميمي، يصف الحلول المطروحة لمعالجة هذا الملف بأنها “ترقيعية”. بالنسبة له، لا تكفي المعالجات المؤقتة ما دامت جذور المشكلة قائمة: شح المياه، وارتفاع الملوحة، وتلوث المياه المتكرر.

يقول التميمي إن الأزمات المتجددة في ملف المياه تتزامن مع تداعيات قرارات صادرة عن المجلس الوزاري للاقتصاد، ما ضاعف الأعباء المعيشية على السكان. ويرى أن الحكومتين الاتحادية والمحلية تعرفان أن معظم الإجراءات المتخذة حتى الآن لا تتعدى كونها حلولاً مؤقتة، لا تمس جوهر المشكلة ولا تعالج أسبابها الحقيقية.

في تصور التميمي، يبدأ الحل من إنشاء محطات تحلية عملاقة قادرة على توفير إمدادات مستقرة وآمنة من المياه الصالحة للاستخدام. ويقارن ذلك بتجارب دول مجاورة نجحت، بحسب قوله، في تنفيذ مشاريع مماثلة خلال فترات زمنية قصيرة لا تتجاوز ثمانية أشهر، حيث تستطيع محطة واحدة هناك تغطية مساحات تفوق مساحة محافظة البصرة بأكملها.

على مستوى الإدارة المحلية، يربط محافظ البصرة أسعد العيداني بين تراجع الزراعة وانخفاض الإمدادات المائية الواصلة من نهري دجلة والفرات. هذا الانخفاض، بحسبه، أدى إلى تفاقم ملوحة شط العرب، وانعكس مباشرة على البيئة الزراعية. وفي الاتجاه نفسه، حذرت مديرية زراعة البصرة من أن شح المياه وارتفاع نسب الملوحة دفعا كثيراً من المزارعين إلى تقليص نشاطهم الزراعي، بل وأجبر بعضهم على هجر أراضيهم بالكامل.

مدير مديرية زراعة البصرة، هادي حسين قاسم، يضع الأزمة في إطارها الزراعي المباشر. فالقطاع، كما يوضح، يواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة نقص المياه العذبة وارتفاع ملوحة شط العرب، وهو ما ظهر في إنتاج البساتين والمحاصيل، ولا سيما في مناطق جنوب البصرة. هناك، لا تبدو الملوحة رقماً في تقرير، بل عاملاً يومياً يقرر ما إذا كانت الأرض ستُزرع في الموسم المقبل أم ستُترك أو تُباع.

لكن المياه ليست السبب الوحيد. مصدر مسؤول في مديرية زراعة البصرة يصف تجريف الأراضي بأنه أحد أخطر العوامل التي تضرب القطاع الزراعي، إلى جانب تأثيرات التغيرات المناخية المتصاعدة. ويعيد المصدر جزءاً من المشكلة إلى إرث طويل من الحروب، من الحرب العراقية الإيرانية إلى حربي الخليج، وما تركته من أضرار في البنى التحتية من كهرباء ومياه وطرق، إضافة إلى الألغام والمخلفات الحربية التي لا تزال تعيق استغلال مساحات واسعة.

وتشير بيانات عام 2023، بحسب المصدر، إلى أن المساحات المتضررة في قضاء شط العرب بلغت أكثر من 10 آلاف دونم، إلى جانب مساحات واسعة تحولت إلى الاستخدام السكني في عدة أقضية، أبرزها الزبير، حيث تجاوزت المساحة المتأثرة 165 ألف دونم. هذه الأرقام تعطي صورة عن حجم التحول، لكنها لا تقول وحدها ما يعنيه ذلك بالنسبة إلى الفلاحين الذين وجدوا أنفسهم خارج مهنتهم، أو بالنسبة إلى مدينة كانت الزراعة جزءاً من صورتها.

ويعيد المصدر تفاقم الظاهرة إلى أسباب متداخلة، في مقدمتها التغيرات المناخية. فالعراق من أكثر الدول تأثراً بها، والبصرة من أكثر المحافظات تضرراً محلياً، بسبب انخفاض معدلات الأمطار وارتفاع درجات الحرارة وتراجع الإيرادات المائية. ومع شح المياه العذبة وارتفاع الملوحة، تقلصت الخطط الزراعية وتراجعت إنتاجية الأراضي.

وتتوسع قائمة العوامل لتشمل استحواذ بعض الشركات النفطية على أراضٍ زراعية ومنع استغلالها، والزيادة السكانية التي دفعت كثيراً من الأيدي العاملة إلى ترك الزراعة والتوجه إلى أعمال أخرى. ومع ضعف تطبيق القوانين، واستمرار بعض الدوائر الخدمية في إيصال الخدمات إلى المناطق المتجاوزة، وجد التوسع العمراني غير المنظم طريقه بسهولة أكبر إلى الأراضي الزراعية.

في بساتين النخيل، يظهر أثر هذا المسار بوضوح أكبر. فالنخلة التي ارتبطت طويلاً بصورة البصرة تراجعت أعدادها بشدة، إذ انخفض عدد النخيل من أكثر من 13 مليون نخلة في خمسينيات القرن الماضي إلى نحو 2.4 مليون نخلة فقط في عام 2025، مع تقلص واضح في المساحات المزروعة. ويزيد استمرار ارتفاع ملوحة مياه شط العرب من أزمة تجريف البساتين، وسط توقعات بزيادة المساحات المتضررة وتراجع جودة التمور وإنتاجيتها مستقبلاً.

تقول مديرية زراعة البصرة إنها تعمل، ضمن صلاحياتها، على الحد من الظاهرة عبر متابعة العقود الزراعية، وتنفيذ حملات وقائية لمكافحة الآفات، والتنسيق مع الجهات المعنية للحد من التجاوزات ووقف إيصال الخدمات إلى المناطق المخالفة. لكن المصدر نفسه يربط نجاح هذه الجهود بتنسيق حكومي أوسع بين الجهات المحلية والمركزية، وبتفعيل القوانين الرادعة، والتوسع في إنشاء المساحات الخضراء والبساتين، لما لها من دور في دعم الاقتصاد الوطني ومواجهة تداعيات التغير المناخي.

في الطرف الآخر من المشهد، يقف سوق العقارات بوصفه عاملاً جاذباً لا يمكن تجاهله. دلال بيع الأراضي علي بدران يشرح أن أسعار المنازل في قضاء شط العرب تتراوح بين 50 و70 مليون دينار عراقي، بحسب موقع العقار ومساحته. هنا لا تُرى الأرض بوصفها بستاناً أو حقلاً فقط، بل بوصفها فرصة سكنية لعائلات تبحث عن منزل بسعر مقبول.

ويقول بدران إن الأسعار تختلف بحسب نوع الأرض الزراعية وطبيعة ملكيتها. فهناك أراضٍ تمتلك فيها وزارة المالية نصف الحصة، وأراضٍ “طابو صرف” تعود ملكيتها بالكامل للمزارع، فضلاً عن أراضٍ تابعة للوقفين السني والشيعي. أما سعر المتر الواحد، فلا يتجاوز في الغالب 500 ألف دينار عراقي، ما يجعل هذه العقارات ضمن نطاق الأسعار المقبولة، ويمنح شريحة واسعة من أبناء البصرة فرصة مناسبة للتملك.

هكذا تلتقي الحاجة إلى السكن مع خسارة الزراعة. فالفلاح الذي لم يعد محصوله يغطي تكاليفه يجد في البيع مخرجاً، والمواطن الذي يبحث عن بيت يجد في الأرض المجزأة فرصة، بينما تقف القوانين غالباً خلف هذا التحول لا أمامه. لا يحدث الزحف دفعة واحدة، ولا يبدو دائماً صادماً من بعيد. لكنه، قطعة بعد أخرى، يغيّر وظيفة الأرض، ويعيد رسم علاقة البصرة ببساتينها.

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali