المنصة- سعد ناظم
حين تقترب الدلافين من سفينته في خور عبد الله أو المياه الإقليمية العراقية، يستعيد الكابتن أيسر البحار مشاهد رافقته خلال أكثر من أربعين عاماً قضاها في البحر. تظهر الحيوانات في مجموعات، وتقترب من القوارب والسفن، وترافقها أحياناً لمسافات، فيما يتابع البحارة قفزاتها فوق سطح الماء.
يقول أيسر إن مشاهدة الدلافين تتكرر في أوقات متفرقة من السنة، ولا سيما في خور عبد الله ومياه الفاو والمياه الإقليمية العراقية، وإنها «تظهر غالباً على شكل مجموعات، وتقترب من القوارب والسفن من دون خوف».
اعتاد البحار جمع ما يتبقى من طعام الرحلة وتقديمه إليها، وهو سلوك تحذر منه إرشادات حماية الثدييات البحرية، لما قد يسببه من تغيير في طبيعتها واعتيادها الاقتراب من القوارب بحثاً عن الغذاء.
لكن مشاهدات أيسر، على أهميتها، لا تحسم مسألة وجود الدلافين داخل شط العرب، إذ تتركز معظمها في خور عبد الله ومياه الفاو والبحر، بينما لا تتوفر بيانات منتظمة توضح عدد الدلافين التي تدخل مجرى الشط أو المدة التي تمكثها فيه.
يمتد شط العرب نحو 192 كيلومتراً من ملتقى نهري دجلة والفرات في القرنة حتى مصبه في الخليج. وعلى امتداد هذا المجرى، تتغير خصائص المياه تبعاً لتدفق المياه العذبة وحركة المد البحري، ما يسمح لبعض الكائنات البحرية بدخول منطقة المصب والتوغل أحياناً في أجزاء من الشط.

تقول مديرة دائرة بيئة البصرة، ظافرة مهجر طعمة، إن النوع الذي يُشاهد في المنطقة هو دلفين المحيط الهندي الأحدب، الذي يعيش في المياه الساحلية الضحلة ومصبات الأنهار، ويوجد في الخليج. وتشير إلى أن ظهوره لا يرتبط بموعد ثابت، بل يتأثر بتوفر الغذاء وجودة البيئة المائية والحركة الملاحية.
وبحسب طعمة، يمكن أن تظهر الدلافين في شط العرب بصورة متقطعة، وتزداد فرص مشاهدتها عندما تكون الظروف الجوية معتدلة، وتتوفر الأسماك، وتقل الاضطرابات في المياه. غير أن تحديد نوع الدلافين التي تدخل المنطقة بدقة يحتاج إلى صور واضحة أو توثيق ميداني من مختصين.
في المقابل، يقول عضو مرصد العراق الأخضر، عمر عبد اللطيف، إنه لا توجد تسجيلات رسمية تثبت وجوداً دائماً للدلافين داخل شط العرب، مرجحاً دخولها إلى منطقة مصب الفاو خلال فترات المد العالي، بالتزامن مع حركة المياه القادمة من الخليج.
ويتفق المتخصص في التلوث البيئي، جاسم حسين عبد الله المالكي، مع هذا الحذر، مشيراً إلى غياب برامج حديثة ومنتظمة لرصد أعداد الدلافين وتحركاتها في شط العرب وخور عبد الله. ويقول إن معظم المعلومات المتاحة تأتي من مشاهدات البحارة والصيادين، أو من مقاطع مصورة تُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي.

توثق هذه المشاهدات وجود الدلافين في المنطقة، لكنها لا تقدم معلومات كافية عن أعدادها أو مواسم ظهورها أو مدى دخولها إلى شط العرب. كما لا تثبت أنها كانت تعيش بصورة مستقرة في مجراه ثم اختفت منه، ما يجعل الحديث عن «آخر ظهور» لها أو تراجع أعدادها استنتاجاً لا تدعمه بيانات علمية متسلسلة.
يربط المالكي هذا النقص بضعف الدعم المالي والفني المقدم للبحث العلمي، ويقول إن إطلاق برنامج مراقبة منتظم وحده يمكن أن يكشف الأنواع الموجودة ومسارات حركتها، ويميّز بين الغياب الفعلي للدلافين وغياب المعلومات عنها.
“المشاهدات التي يسجلها البحارة توثق وجود الدلافين في المنطقة، لكنها لا تكفي لمعرفة أعدادها أو إثبات أنها كانت تعيش بصورة مستقرة في شط العرب ثم اختفت”
ومع أن الأدلة المتاحة لا تكفي لإثبات اختفاء الدلافين، فإن البيئة المائية في شط العرب شهدت خلال السنوات الماضية تحولات واضحة. فقد تعرض الشط لموجات حادة من ارتفاع الملوحة، كان من أشدها ما حدث خلال أزمة المياه عام 2018، بالتزامن مع انخفاض تدفقات المياه العذبة وتقدم مياه الخليج في مجراه.
ولا تؤثر الملوحة في الدلافين البحرية بالطريقة نفسها التي تؤثر فيها في أسماك المياه العذبة، لكنها، إلى جانب التلوث وشح المياه، تغيّر تركيب النظام البيئي وتؤثر في الأسماك والكائنات التي تعتمد عليها الدلافين في غذائها.
يوضح المالكي أن العلاقة المحتملة بين ارتفاع الملوحة وقلة ظهور الدلافين علاقة غير مباشرة في الغالب. فتغير نوعية المياه وتراجع بعض أنواع الأسماك ينعكسان على السلسلة الغذائية، فيما تضيف مياه الصرف والمخلفات الصناعية والنفطية والصيد الجائر وضوضاء السفن ضغوطاً أخرى على الكائنات التي تعيش في المنطقة أو تمر بها.
ويرى رئيس منظمة الأهوار، حسين أبو طبيخ، أن تراجع مشاهدات الدلافين، إن أمكن إثباته، قد يكون مؤشراً إلى تغيرات أوسع أصابت البيئة المائية في البصرة. ويربط ذلك بمجموعة من العوامل، تشمل التلوث النفطي والصناعي، وانخفاض تدفقات المياه العذبة، وتراجع الثروة السمكية، والحركة الكثيفة للسفن.

ويقول أبو طبيخ إن الملوثات النفطية والكيميائية قد تصل إلى الكائنات البحرية مباشرة أو تنتقل إليها عبر السلسلة الغذائية، فيما يدفع تراجع الفرائس الدلافين إلى البحث عن مناطق أخرى يتوفر فيها الغذاء. لكن معرفة حجم تأثير هذه العوامل تحتاج إلى بيانات ميدانية تربط بين نوعية المياه وحالة الأسماك وتحركات الدلافين، وهو ما لا توفره المشاهدات المتفرقة وحدها.
تصل إلى شط العرب أيضاً ملوثات قادمة من الأنهار والقنوات التي تمر داخل مدينة البصرة. وتذكر طعمة سبعة مجارٍ رئيسية تصب فيه، هي العشار والخورة والخندق والرباط والسراجي والجبيلة والمفتية، وتحمل معها مياه الصرف والمخلفات الحضرية.
“تراجع ظهور الدلافين، إن ثبت، قد يكون مؤشراً إلى تحولات أوسع أصابت البيئة المائية في البصرة”.
وتضاف إلى ذلك ضغوط المنشآت الصناعية ومحطات الكهرباء والأنشطة النفطية المقامة على ضفاف الشط أو بالقرب منه. ومع انخفاض كميات المياه العذبة، تتراجع قدرة المجرى على تخفيف الملوثات والحد من تقدم المياه المالحة من الخليج.
وتحدد طعمة أربعة تحديات رئيسية تواجه شط العرب: شح المياه، والتلوث، وارتفاع الملوحة، وتأثيرات التغير المناخي. ولا تقتصر نتائج هذه المشكلات على صلاحية المياه للشرب والزراعة، بل تمتد إلى النباتات المائية والأسماك والقشريات وبقية مكونات النظام البيئي.
يقول عبد اللطيف إن استعادة الثروة السمكية تتطلب زيادة تدفقات المياه العذبة، وخفض الملوحة، ومعالجة مصادر التلوث، إلى جانب إعادة تأهيل النباتات المائية التي توفر للأسماك الغذاء وأماكن التكاثر.

ويحذر من التعامل مع إطلاق إصبعيات الأسماك بوصفه حلاً كافياً، لأن زيادة أعداد الأسماك لن تحقق نتيجة مستدامة إذا ظلت المياه ملوثة ومرتفعة الملوحة، وفقدت الكائنات موائلها الطبيعية.
ويرى أن معالجة الأزمة تبدأ بإزالة التجاوزات على المجاري المائية، وإنشاء محطات لمعالجة مياه الصرف وربطها بالشبكات، وضمان تدفقات مائية تحد من تقدم مياه الخليج، إلى جانب التعاون مع دول المنبع لضمان حصة العراق من المياه.
وتطرح جهات محلية إنشاء سدة تنظيمية بوصفه أحد الحلول الممكنة للحد من تقدم المياه المالحة. لكن المالكي يرى أن المشروع يحتاج إلى دراسة علمية دقيقة قبل اعتماده، لأن آثاره لن تقتصر على الملوحة، بل قد تشمل حركة المياه والرواسب وانتقال الكائنات بين النهر والبحر.
ويشدد على أن حماية شط العرب تحتاج إلى إدارة متكاملة تجمع بين تحسين تدفقات المياه ومعالجة الصرف الصحي والصناعي وتطبيق القوانين على الجهات الملوثة ودعم البحث العلمي، بدلاً من التعامل مع كل مشكلة بصورة منفصلة.
في البحر، لا يعتقد الكابتن أيسر أن البحارة يتعمدون إيذاء الدلافين، لكنه لا يستبعد وقوع حوادث عندما تعلق في شباك الصيد. ويقول إن كثيراً من الصيادين يسارعون إلى تحريرها وإعادتها إلى الماء، فيما تبقى الشباك وحركة السفن والتلوث من أبرز المخاطر التي تواجه الكائنات البحرية.
لا تزال الدلافين تظهر في مشاهدات البحارة في خور عبد الله والفاو والمياه الإقليمية، لكن المعلومات المتاحة لا تكشف مدى دخولها إلى شط العرب، ولا تسمح بمقارنة أعدادها الحالية بما كانت عليه سابقاً. وفي ظل غياب رصد علمي منتظم، يبقى تراجع ظهورها احتمالاً لا يمكن تأكيده، داخل نظام بيئي يواجه ضغوطاً متزايدة من شح المياه والملوحة والتلوث وتراجع الأسماك.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



