سعد ناظم- البصرة
يمسك رغدان، البالغ من العمر 25 عاماً، وثيقة تخرجه بفخر بعد نجاحه من الدور الأول، معتزاً بما يعدّه أول إنجاز مهم في حياته، الحصول على شهادة جامعية. وبينما يرتب سيرته الذاتية ويجمع مؤهلاته استعداداً لخوض رحلة البحث عن عمل، يأمل أن تكون الشهادة مفتاحاً لتحسين واقعه المعيشي وبناء مستقبله.
لكن أمله سرعان ما يصطدم بسوق تشتد فيها المنافسة وتحضر فيها العمالة الأجنبية، ليبدأ سؤال الفرصة بمرافقته في كل خطوة: أين يجد الشاب العراقي مكانه في سوق العمل داخل بلده؟
عاد الملف إلى الواجهة في 13 آب 2026، عندما أعلنت القوات الأمنية في قضاء الفاو اعتقال 23 باكستانياً، إثر تسللهم عبر زورق مجهول إلى منطقة الكاسر الغربي في ميناء الفاو الكبير.
وقال مصدر أمني إن «العملية تمت بناءً على معلومات استخباراتية دقيقة، أسفرت عن رصد المتسللين فور إنزالهم من الزورق»، مبيناً أنه «جرى توقيفهم وإحالتهم إلى مركز شرطة الفاو، لإخضاعهم للتحقيق وكشف ملابسات دخولهم غير النظامي».

وضعت الحادثة طرق دخول العمال الأجانب إلى المحافظة تحت الضوء، وفتحت أسئلة تتعلق بأسباب وصولهم، وأوضاعهم القانونية، وقدرة الجهات الرسمية على متابعة تحركاتهم بعد دخول البلاد.
وتتوزع أعداد الأجانب الموجودين في العراق بين فئات مختلفة، تشمل العمال المستقدمين بصورة رسمية، والمخالفين لشروط الإقامة أو العمل، والداخلين بطرق غير نظامية، إلى جانب اللاجئين وطالبي اللجوء الذين يخضعون لإطار قانوني مختلف.
ووفق التحديث الشهري للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، استضاف العراق حتى نهاية يوليو/تموز 2026 أكثر من 343 ألف لاجئ وطالب لجوء، يشكل السوريون 88 في المئة منهم. وتشير المفوضية إلى أنها تواصل، بالتعاون مع الحكومة العراقية وشركائها، توفير الحماية للاجئين وتيسير وصولهم إلى الخدمات العامة، بما يساعدهم على العيش بكرامة وبناء مستقبل أفضل.
وبين تعدد طرق الدخول وتفاوت الأوضاع القانونية للوافدين، يجد الشاب العراقي الباحث عن عمل نفسه أمام مشهد معقد: شهادات جامعية وسنوات من الدراسة والتأهيل، في مقابل سوق تستقطب عمالة أجنبية، منها من يعمل بصورة نظامية، ومنها من يعمل خارج ضوابط الإقامة والتشغيل. ويبقى السؤال: أين يذهب حق من درس وتأهل بحثاً عن عمل في بلده؟
عن قدرة مراكز التدريب على تأهيل الشباب العراقي وإدماجهم في سوق العمل لسد احتياجاته وتعزيز قدرتهم على المنافسة، يقول مدير مركز التدريب المهني في البصرة، أحمد جمال، إن «مراكز التدريب المهني في البصرة تمتلك مرونة متزايدة في الاستجابة لحاجات سوق العمل، لكنها تتفاوت من قطاع إلى آخر».
ويوضح أن المراكز أظهرت، في مجالي الطاقة البديلة والتكنولوجيا، قدرة على استحداث ورش تدريبية نوعية تراعي التحولات الحديثة، من بينها دورات في الطاقة الشمسية، ومد الكابلات الضوئية، وصيانة الحاسوب والأجهزة الإلكترونية.

أما في القطاعات التقليدية والخدمية، فتغطي المراكز، بحسب جمال، مجموعة واسعة من المهن الميدانية، مثل ميكانيك السيارات، والتبريد المنزلي، وتبريد السيارات، والتأسيسات الكهربائية، والخياطة، واللحام، والديكور، والبناء والإنشاءات. ويشير إلى أن مناهج هذه الورش تلبي بصورة مباشرة احتياجات المشاريع الصغيرة والقطاع الخاص المحلي.
لكن الاستجابة تبدو أكثر تعقيداً في قطاعي النفط والغاز ومشاريع الإنشاء الكبرى. يقول جمال إن المراكز تواجه تحديات تتعلق بشهادات الاعتماد الدولية وبمستوى التجهيزات التقنية المتقدمة التي تطلبها الشركات الأجنبية العاملة في الحقول النفطية، مثل معايير السلامة المهنية «OSHA»، وشهادات اللحام المتقدم.
ويضيف: «تشمل الاحتياجات اللحام الصناعي والتمديدات الكهربائية والخدمات اللوجستية، إلا أن المهن الدقيقة ذات الكثافة التقنية، مثل صيانة المعدات النفطية التخصصية والسلامة المهنية المتقدمة، تتطلب تطبيق معايير أعمق وتنظيم دورات بالشراكة مع الشركات المشغلة للحقول».
وفي قطاع الإنشاءات والبنى التحتية، يرى جمال أن المراكز التدريبية تبدي استجابة سريعة في تأهيل العمالة الماهرة في مهن التسليح، والقوالب الخشبية، والتأسيسات المائية والصحية والكهربائية، بالتزامن مع المشاريع العمرانية الجارية، ولا سيما مشاريع البنى التحتية والموانئ.
«من الصعب تخمين أعداد العمال الذين يدخلون العراق عن طريق البحر. لكن المؤكد أن قسماً كبيراً من العمالة الموجودة دخل بصورة رسمية عن طريق الجو، ثم خالف الغرض من التأشيرة أو شروط الإقامة والعمل»
ويلفت إلى بروز توجه حديث نحو تنظيم ورش متخصصة في نصب منظومات الطاقة الشمسية وتركيبها وصيانتها، بالتوازي مع التوجه إلى نشر حلول الطاقة البديلة في المحافظة ووجود مشروع «شمس البصرة». ومع ذلك، يبقى قطاع الخدمات والمشاريع الصغيرة، بحسب قوله، الأكثر مرونة واستيعاباً للبرامج التدريبية السريعة، مثل صيانة الأجهزة المنزلية وأجهزة التكييف والتبريد والهواتف المحمولة والحواسيب، فضلاً عن التأسيسات العامة وأعمال الديكور.
ولكن كم تبلغ نسبة خريجي مراكز التدريب المهني الذين ينتقلون فعلياً إلى سوق العمل؟ وكيف تتابع المراكز الخريجين وتقيس استفادتهم من المهارات التي اكتسبوها؟
يقول جمال إن تطبيق قرار مجلس المحافظة رقم 77 من شأنه رفع نسبة تشغيل الخريجين، إذ ينص القرار على تخصيص 30 في المئة من فرص التشغيل التي تمر عبر مكتب التشغيل المركزي لخريجي مراكز التدريب المهني.
ويضيف أن فرص الخريجين ترتفع عندما يتجهون إلى العمل الحر أو تأسيس المشاريع الصغيرة، مقارنة بفرص توظيفهم المباشر في الشركات الكبرى والأجنبية، واصفاً نسبة توظيفهم في هذه الشركات بأنها «قليلة جداً، بل شبه معدومة».
وعن حجم العمالة الأجنبية الموجودة في البصرة والقطاعات التي تستقطبها، يقول الخبير القضائي البحري والمهتم بشؤون الموانئ، علي سلمان العقابي: «لا يمكن إحصاء حجم العمالة الأجنبية الموجودة في العراق بدقة، لأن الجهات الرسمية المعنية لا تقدم أرقاماً واضحة إلى وسائل الإعلام أو الجهات الرقابية التي تبحث في هذا الملف».
ويضيف أن قسماً كبيراً من العمالة الأجنبية يدخل عن طريق شركات وجهات تتولى الاستقدام، فيما لا يُكشف عن الأعداد الفعلية للعاملين. وتتركز هذه العمالة، بحسب العقابي، في قطاعات النفط والمقاولات والإنشاءات والخدمات والتجارة.

وفي المقابل، تشير وزارة العمل، وفقاً للعقابي، إلى وجود أعداد كبيرة من العمال الأجانب المخالفين في البصرة بسبب كثرة الشركات العاملة فيها، وهو ما يؤكد، برأيه، الحاجة إلى إنشاء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة.
وعن استغلال الطرق والمنافذ البحرية غير الرسمية لإدخال عمال أجانب بصورة غير قانونية، يرى العقابي أن تهريب العمالة أو البشر عن طريق المنفذ البحري العراقي يظل محدوداً بسبب ضيق المنفذ والرقابة المشددة عليه.
ويقول: «من الصعب تخمين أعداد العمال الذين يدخلون العراق عن طريق البحر. لكن المؤكد أن قسماً كبيراً من العمالة الموجودة دخل بصورة رسمية عن طريق الجو، ثم خالف الغرض من التأشيرة أو شروط الإقامة والعمل».
ويضيف أن بعض العمال يحصلون على تأشيرات لا تتوافق مع طبيعة عملهم الفعلية، أو يدخلون بصورة قانونية ثم يخالفون شروط الإقامة، وهو ما يمثل تحدياً قانونياً يتطلب تنسيقاً مباشراً بين وزارة العمل ومديرية الإقامة والمنافذ الحدودية والجهات الأمنية والبحرية، إلى جانب تشديد الرقابة على المنافذ غير الرسمية.
«لا يمكن إحصاء حجم العمالة الأجنبية الموجودة في العراق بدقة، لأن الجهات الرسمية المعنية لا تقدم أرقاماً واضحة إلى وسائل الإعلام أو الجهات الرقابية التي تبحث في هذا الملف».
أما بخصوص تأثير العمالة الأجنبية غير النظامية في سوق العمل المحلي، فيقول العقابي إنها «تضغط على فرص العمل المتاحة للعراقيين، ولا سيما عندما تعمل خارج الضوابط وبأجور أقل، كما تؤدي إلى فقدان الدولة جزءاً من حقوقها القانونية وإيرادات الضمان الاجتماعي».
ووفقاً للعقابي، تشترط التعليمات النافذة لعام 2026 عدم وجود عامل عراقي مؤهل ومسجل لدى دائرة التشغيل قبل استقدام عامل أجنبي، كما تحدد نسبة العمالة الأجنبية في المشروع بما لا يتجاوز 50 في المئة، وتحظر تشغيل أي أجنبي قبل حصوله على إجازة عمل.
لكنه يرى أن التطبيق الفعلي لا ينسجم دائماً مع هذه التعليمات، مضيفاً أن عمالاً من إحدى دول الجوار يدخلون يومياً بسبب عدم اشتراط التأشيرة، ويعملون داخل البصرة ثم يعودون مساءً. وبسبب فارق العملة، يقبل بعضهم، وفق قوله، بأجور أدنى من المعتاد، ما يؤثر في قدرة العامل العراقي على المنافسة.
ويرى العقابي أن «المشكلة ليست في العمالة الأجنبية النظامية التي تأتي لسد نقص في اختصاصات محددة، وإنما في العمالة غير النظامية، أو تلك التي تدخل بصورة قانونية ثم تعمل خارج الضوابط، أحياناً بتسهيل من جهات متنفذة». ويشدد على ضرورة تفعيل الرقابة، وتوحيد قواعد البيانات، ومنح الأولوية للعامل العراقي المؤهل.

في ظل غياب أرقام معلنة ودقيقة عن العمالة الأجنبية، وعدم إفصاح بعض الشركات عن أعداد العاملين لديها، يصبح من الصعب قياس أثر هذه العمالة في فرص الشباب العراقيين. كم فرصة تذهب إلى عامل أجنبي بسبب امتلاكه خبرة غير متوفرة محلياً؟ وكم فرصة تُمنح له بسبب انخفاض أجره أو ضعف تطبيق القانون؟
من دون بيانات تفصل بين العمالة النظامية والمخالفة، تبقى الإجابات عرضة للتخمين، ويبقى الشباب أمام سوق لا يعرفون قواعده ولا الحجم الحقيقي للفرص المتاحة فيه.
وفي 27 آب 2026، عاد ملف دخول الأجانب إلى البصرة من زاوية أمنية أخرى، بعدما أعلن رئيس اللجنة الأمنية في مجلس المحافظة، عقيل الفريجي، أن قوة حماية المنشآت النفطية في مستودع الفاو النفطي ألقت القبض على سبعة باكستانيين أثناء محاولتهم التسلل باتجاه المستودع، قبل تسليمهم إلى الجهات الأمنية لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.
أضافت الحادثة أسئلة جديدة بشأن طرق دخول الأجانب إلى المحافظة، وأسباب توجه بعضهم إلى منشآت حساسة، ومدى قدرة الجهات الرسمية على ضبط تحركاتهم والتحقق من أوضاعهم القانونية.
في هذه الأثناء، يحمل رغدان سيرته الذاتية ويمضي من شركة إلى أخرى بحثاً عن فرصة طال انتظارها. ومع تكرار الرفض، يلاحقه سؤال مؤلم: كيف يجد الشاب العراقي مكاناً في سوق يرى أن بعض فرصه تذهب إلى عمالة أجنبية؟
ومع مرور الوقت، لا يبقى الرفض موقفاً عابراً، بل يتحول إلى إحباط يدفع رغدان وغيره من الشباب إلى التفكير في الهجرة، أو القبول بأعمال لا ترتبط بتخصصاتهم.
ولكي لا تتكرر حكاية رغدان، تبدو الحاجة ملحّة إلى تنظيم سوق العمل بجدية، عبر تطبيق النسب القانونية لتشغيل الكوادر الوطنية، ومنع استقدام عمال أجانب للمهن التي يتوفر عراقيون مؤهلون لشغلها، وتنظيم الإقامات وربط الاستقدام بحاجة السوق الفعلية، فضلاً عن إلزام الشركات بتدريب الشباب ونقل الخبرات إليهم.
كل ما يريده رغدان في النهاية ليس امتيازاً، بل فرصة عادلة تثبت له أن سنوات دراسته لم تكن مجرد طريق طويل إلى الانتظار.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



