التعاون المجتمعي

لم يكن التعاون الذي هو من ملامح المجتمعات المتقدمة وليد اللحظة، بل انه حصيلة مخاض مرت به تلك المجتمعات في المرحلة الانتقالية من التسامح الى التفاهم وصولا الى التعاون، اذ لا مكان للتعاون الا بعد ان تتسامح تلكم المجتمعات مع ذاتها عبر تصفير الاحقاد والضغائن ومعالجة خطاب الكراهية فيها، لتتنقل تاليا الى التفاهم على الاسس والاولويات فيها، ولاسيما قضية الهوية والمسارات السياسية والمجتمعية والثقافية، لتنحو نحو تعزيز نموذجها لبناء التعايش المستدام.

وتبدو أهمية التعاون والاندماج المجتمعي في انه يشكل عصب الاستقرار والازدهار والرفاهية، كما انه اضحى نموذج جذب وليس نفور، فتجارب التعاون داخل المجتمعات الاوربية شكلت عوامل جذب للباحثين عن التمييز والعيش في طمأنينة واستقرار، وبدت كفضاءات يمكن فيها ابراز الابتكار والابداع والحال ينطبق على كندا وامريكا واستراليا . ومغاير لذلك شكلت نماذج عدم التعاون في الدول المتخلفة عوامل طرد لكفاءاتها ومبدعيها وعلمائها، اذ لا تشكل فضاءاتها الملبدة بغيوم الحقد والضغينة والنزاع الاهلي عامل جذب الا لمغامري الحروب وتجار الدم.

الأمثلة عن نتائج التعاون كثير وفي المتناول، كالدول الإسكندنافية التي تتصدر اليوم مراتب متقدمة من مستويات السعادة والرفاهية بعد ان قطعت اشواطا كثيرة في تعزيز اواصر التعاون داخل مجتمعاتها وسعت ليس الى تضافر الجهود السياسية والمجتمعية بل وتنمية الشعور بالعيش المشترك، بوجود التعاون والاندماج فان استمرارية التعايش وديمومته ستزداد تبعا لذلك وتنعكس ايجابا على الفرد والمجتمع.

التنوع والتعاون

والمجتمعات المتنوعة عادة ما تكون امام خيارين اما تصادمي واحتراب داخلي نتيجة التنوع الموجود فيها، وهذا يعمل على تهديد وجودها وكيانها، اذ لا يمكن ان ينتهي اي تصارع اهلي الى نتيجة يعلن فيها القضاء التام على الاخر، فلعبة الحرب او النزاع الداخلي لا يمكن ان تنتهي بشكل صفري، ثمة تشارك في الخسائر، وأما الخيارها الثاني الذي يؤدي الى الاستقرار والازدهار فانه لابد وان يمر عبر تعزيز اواصر التعاون واستكمال كيان التعايش المستدام فيها.

وتسعى مجتمعات التعاون عادة الى ابراز تنوعها وتباينها الاجتماعي خلافا للمجتمعات الشمولية المقولبة بأيديولوجية تدعي نقائها او تفوقها على اقرانها، وهو ما جعل من مجتمعات التعاون تبني كيانها على اساس هندسة اجتماعية تديم أواصر التعاون بينها ، ففي الجانب السياسي انتهجت التوافقية كسبيل لإدارة الشأن السياسي في هولندا وبلجيكا وماليزيا وغيرها,

وفي الجانب الاقتصادي على توزيع الموارد والثروات والرضا بين المكونات الاجتماعية ومشاريع النفع الاقتصادي وتعد كندا من ابرز الدول التي عملت على ذلك، اما اجتماعيا فإنها سعت الى الابقاء على هوياتها الاجتماعية وحافظت عليها علاوة على السماح بممارسة طقوسها وعاداتها الاجتماعية ومن ابرز الامثلة على ذلك تجربة الدنمارك مع الاسكيمو.

بينما في الجانب الثقافي ابقت تلكم المجتمعات موروثها اللغوي حتى للجماعات البدائية فيها فضلا عن عاداتها وتقاليها الثقافية وكرنفالاتها واحتفالاتها الثقافية بوصفها تشكل عنوان تميز لتنوعها الثقافي وافتخار للتعايش المستدام على اراضيها ومن اوضح الامثلة على ذلك تجربة البرازيل مع القبائل البدائية في ضفاف الامازون وكذلك تعامل بيرو وبوليفيا مع قبائل الهنود الحمر.

اذن ابراز التباين والتنوع المجتمعي المكوناتي في الموصل ومحافظة نينوى، يعد الخيار الامثل لإحداث تعاون مجتمعي على ارضها والسعي الى الاحتفال به وعنونته بتميز محافظة نينوى على صورة هذا التنوع والقدرة على بناء اواصر التعاون بين المكونات عبر جملة المراحل والاجراءات التي يحتاجها كيان التعايش المستدام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى