خبز مخلوط بنشارة الخشب


قالت أمي وهي تتابع حياكة الصوف دون أن تنظر إلى الجارة التي كانت في زيارة
لها منذ نصف ساعة شيئا يشبه الحكمة، عبارة لها ايقاع الشعر.

لم أصغ إلى حديثهما، لكني التقطت هذه العبارة عرضا حين كنت أبحث عن خذروف
كنت قد وضعته في أحد أدراج خزانة الملابس الكبيرة في الغرفة. وجدت الخذروف وخرجت
إلى الفناء حيث كان صديقي بانتظاري.

نظر إلى الخذروف الذي وضعته على الأرض أمامي ثم رفعه متفحصا وقال: إذا أردت
يستطيع أخي أن يصب في ثقوبه الرصاص
فيصبح أكثر ثقلا. أراني خذروفين
كانا معه، في كل منهما حشوة من رصاص.

قال: إنه الآن في المنزل. نستطيع
أن نذهب إليه في الحال. مضينا إلى بيته، ووجدنا أخاه ينصب فخا للعصافير. حين إنتهى
من إسناد الطست إلى عصا صغيرة، ورش
َّ أمامه قليلا من القمح
طلب منا أن نتبعه إلى الرواق.

كان يحتفظ بحق فيه بقية من الرصاص. قال: مهلا، سآتي بمزيد منه. غاب دقائق
في غريفة تقع تحت السلم ثم أتى بأقراص صغيرة من الرصاص مختومة بحروف غامضة يمر
فيها سلك من النحاس، قال إنه يجمعها من محطة القطار، إذ يُلقى بها لدى فتح عربات
البضائع التي تكون مختومة عند وصولها. ألقى بثلاثة من هذه الأقراص في الحق ووضعه
على الموقد، بعد دقائق تحول الرصاص إلى سائل رجراج، صب شيئا منه في ثقوب الخذروف،
وقال: ينبغي أن ننتظر حتى يتصلب، لن يستغرق ذلك وقتا طويلا. بعد دقيقتين أو ثلاث
رفع الخذروف وقلبه فاحصا ثم ناولني اياه.

حين عدت إلى البيت كانت الجارة قد ذهبت وكانت أمي قد انتهت من إعداد طعام
العشاء وشرعت في تنظيف زجاجة المصباح، كانت تفعل ذلك كل يوم قبل أن يحل الظلام.
تملأ المصباح بالكيروسين، ثم تنظف زجاجة المصباح من السخام الذي اجتمع عليها في
الليلة الفائتة. رأيتها تعيد مسح الزجاجة حتى بعد أن أصبحت نظيفة تماما وتحدث
نفسها بصوت خفيض.

قالت وقد ثبتت الزجاجة في موضعها من المصباح أخيرا: لقد تأخر أبوك. ذهب
ليحضر خبزا للعشاء. الزحمة في المخبز كبيرة الآن، كبيرة دائما في هذه الأيام. لم
يعد الحصول على الخبز سهلا. وحتى هذا الخبز المصنوع من طحين مخلوط بنشارة الخشب
أصبح شحيحا.

قلت: إذا كان الازدحام شديدا فلا بد أنه سيحتاج إلى وقت أطول من الإنتظار.

قالت: لقد مضى أكثر من ساعة على ذهابه. تنهدت ثم قالت شيئا بصوت يكاد يكون
همسا فلم أفهمه.

قلت بعد برهة من الصمت: أستطيع أن أذهب لأرى، أنا أعرف الطريق إلى
محل الخباز.

قالت: لن تذهب. إنك لا تزال صغيرا.

كنت أعرف الطريق إلى محل الخباز حقا فقد رأيته حين كنت قد رافقت أختي
غير مرة وهي تذهب لشراء المخلل من بيت المرأة التي كانت لها ابنة صغيرة تلعب غالبا
في فناء الدار، وحين حدثنا أمي عن لون بياض عينيها المصفر قالت إنه اليرقان، ولم
ترسلنا مرة أخرى لشراء المخلل من تلك المرأة.

قالت أمي: إنهم يتدافعون أحيانا، وقد يحدث ما لا يتوقعه المرء.

لم أفهم ما أرادته أمي بقولها ما لا يتوقعه المرء. لكني أدركت أنها تشعر
بالقلق. إستعدت صورة المخبز الذي يرتفع عن أرض الشارع بثلاث درجات، وتخيلت جمعا
غفيرا يحتشد في نصف دائرة أمامه، الكل يريد الوصول إليه حيث تمتد يد الرجل من
الدكان الذي بدا مثل منصة، تتناول النقود أو سلة فارغة تُدفع باتجاهها بإلحاح،
وتختفي لتمتد بعد لحظات بأرغفة الخبز، وأن البعض يحاول إزاحة من يقف أمامه فيشتد
اللغط، ولكني لم أعرف ما الذي يمكن أن يحدث غير ذلك وما لا يتوقعه المرء.

جلستْ أمي أمام الموقد، لكنها ما لبثت أن نهضت بعد لحظات ولم تذهب لتنظر
إلى الشارع من فتحة الباب كما كانت تفعل غالبا. ذهبت إلى زاوية الغرفة وبدا لي
أنها تبحث عن شيء ما، لكنها عادت وجلست أمام الموقد من جديد.

قلت متصنعا الحكمة، وقد خطر لي أن أبي قد وقف في الحشد المتجمع أمام المخبز
ينتظر دوره دون أن يتدافع أو يرفع السلة المصنوعة من سعف النخيل التي كان يحملها
معه دائما حين يذهب للتبضع:
من لا يمد يده، لن يحصل على شيء. لم أقل هذا
في الواقع. قلت شيئا مختلفا.

رددتُ العبارة التي سمعتها من أمي وهي تتحدث إلى جارتنا والتي لها ايقاع
الشعر والتي لا أريد أن أكررها الآن أيضا، لأنها نهرتني
بصرامة فأدركت
أنني قلت شيئا لا يليق بطفل.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى