عام على رحلة السلام

رحلة السلام تبدأ بابتسامة آخر الناجين وابتسامة آخر جندي يلقي بندقيته فيغفو متحررا من درعه وخوذته، المسافة الزمنية التي تفصل تلك اللحظة عن اليوم هي عام كامل،

ساعتها أعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي تحرير المدينة من داعش من أمام قبر البنت (أول أثر ورمز موصلي يجرفه داعش حال سيطرته على المدينة) في باب سنجار غربي الموصل.

ما بين ذلك البيان واليوم الكثير من التطورات والأزمات ومحاولات الاستشفاء.

365 يوم من دون إرهاب ..

عاشت الموصل منذ عام 2004 موجات من العنف التكفيري بعد أن أتيح لتنظيم القاعدة ووريثه تنظيم "داعش" السيطرة على مقدرات المدينة والمواطنين عبر ممارسة القتل والتهديد ومناهضة أي نشاط سياسي وثقافي واقتصادي تحت شماعة الولاء والبراء الفقهية.

لكن منذ تموز 2017 لم تشهد المدينة أية حوادث أمنية تهدد استقرارها الامني، وهو ما يعود بشكل كبير الى جهود القوات المسلحة وتعاون السكان مع تلك القوات، فضلا عن الإفادة واستخلاص العبر مما كان ينتهج في ادارة الملف الامني قبل حزيران 2014. لذلك فان حالة الامن التي تعيشها المدينة بعد التحرير تعد الأفضل منذ عام 2003.

لملة الجراح عبر التداوي بالثقافة

واحدة من ابرز ملامح مابعد التحرير هي ردة الفعل الثقافية لما جرى نتيجة احتلال داعش، فعملت كثير من الانشطة الثقافية كجزء من إنعاش الحياة في المدينة وشهدت مهرجانات وكرنفالات ثقافية، أهمها مهرجان القراءة الأول ومهرجان يوم السلام العالمي ومهرجان ابو تمام الشعري الدولي. فضلا عن توافد كثير من المثقفين من جميع انحاء العالم لزيارة الموصل. وفتح نوافذ ثقافية عبر تأسيس ملتقيات ثقافية كمقهى قنطرة الثقافي وملتقى الكتاب ورصيف الكتب وملتقى المسقى، وتأسيس فرق موسيقية تعزف بكل حرية على الارصفة الثقافية والاماكن العامة.

هل من تعايش؟

 ما بذل من دماء لن يذهب سدى أو يكون خاضعا لمساومة سياسية أو دونها من اتفاقات تحاول ان تجير ما حصل لصالح اجندة معينة، لذلك جاءت القوافل تلو الاخرى الى المدينة لزيارتها والتضامن معها من جميع انحاء العراق ، وكذلك رد الموصليون الزيارة الى النجف ومقبرة وادي السلام وكربلاء والحلة والعمارة وبغداد ، بعد قطيعة دامت ثلاث سنوات سبقتها سنوات من الحذر الامني للتعامل بين العراقيين .

إن ما تحتاجه الموصل هو كيفية عودة ابنائها اليها من الاقليات والمذاهب والاثنيات الاخرى وذلك لن يتم من دون برامج ترسخ التعايش في الموصل وتعيد الممتلكات الى اصحابها وتعوض المتضررين جراء حرب التحرير في بيوتهم وممتلكاتهم التجارية في اسواق الموصل الرئيسة. وهو أمر لن ينجح بالمال فقط بل بمعالجة مسببات هذا التدمير الا وهي خطابات الكراهية وفتاوى القتل والخطاب الديني المتأخر عن ما جرى في الموصل لسنين ضوئية وليست زمنية .

 

مستقبل الموصل عبر مربع التعليم والاقتصاد والادارة والسياسة

اليوم هناك واحدة من ابرز المشكلات التي تواجه الموصل، وهي كيفية معالجة ووضع البرامج التربوية والتعليمية في ظل توقف دام ثلاث سنوات في مدارسها وجامعاتها ، والمهمة الابرز هي اعادة المؤسسات وعودة طلبتها اليها ومعالجة وضعهم بالتساوي مع اقرانهم في مناطق العراق الاخرى ، علاوة على اعادة الحياة لجامعة الموصل ونينوى التي تعد الخزين الثقافي الاكبر في الموصل وعودتها تعني الكثير.

كما أن المدن تتعافى بعد الحرب عبر تنشيط حركتها الاقتصادية والتجارية وعودة مصارفها والاستثمار الاقتصادي اليها، ومدينة الموصل لم تزل تئن تحت تباطؤ اقتصادها وذلك لعدم فتح مصارفها وعدم اعمار اسواقها الكبرى في المدينة القديمة وعدم اطلاق التعويضات للمتضررين في منازلهم وممتلكاتهم، علاوة على أن معالجة جراح الحرب تحتاج جهود تمويل كبيرة سواء من الحكومة الاتحادية في بغداد أو عودة نشاط القطاع الخاص.

أما ادارة الموصل المحلية أو ادارة مؤسسات الدولة فهي لم تصل الى مرحلة نكران الذات وتعمل على النهوض بالمدينة الا عبر جهود تعد صغيرة بحجم الدمار الكبير الذي قطع أوصال مدينة الموصل نتيجة تدمير كل جسورها، علاوة على طريقة تعاملها مع طبيعة الازمات التي تعتري المدينة بضعف التخطيط وقلة الخبرة وعدم الاستعانة بالشخصيات القادرة على التخطيط على مواجهة هذه الازمات التي تفشت، لذلك ينبغي ان يعاد تحديد واجراء الانتخابات المحلية والتي يمكن ان تعيد ثقة المواطن الموصلي بإدارته المحلية.

 وبالنسبة للنشاط السياسي فقد شهد  انفتاحا كبيرا من حيث الاقبال على تداول الحديث في المجال السياسي ، أو الترشيح والمشاركة في الانتخابات ، وكانت اكبر نسبة مشاركة بين المحافظات العراقية من نصيب نينوى، لكن الشأن السياسي الذي تحتاجه يتعدى المشاركة الى اطفاء الحرائق السياسية التي تحاول الدفع بالموصل كجزء من المساومة السياسية للمشكلات بين حكومتي بغداد واربيل او طبيعة المساومات السياسية بين اطراف اقليمية تحاول ان تصفي حسابتها المعقدة والتاريخية على ارض نينوى، لذلك تحتاج المحافظة الى تحييدها من ان تكون ورقة ضغط بيد طرف لمواجهة طرف آخر ، فهي لا تحتمل مغامرة جديدة تقضي على أخر ما تبقى فيها من رموز وشواهد ثقافية وتاريخية .

ما الحل ؟

تمر الحلول المعروضة للنقاش أولا عبر اعادة ثقة المواطن في اقتصاده وسياسته وادارته وثقافته التي تبتعد عن حجاب التحريم والتكفير والوعيد والترهيب ، واعادة تمدين المدينة بتطبيق القوانين وقضايا العدالة الانتقالية التي تنصف الضحايا وتحاسب المجرمين، وتصفية ارث الفكر التكفيري عبر اعتراف المؤسسة الدينية بضرورة مراجعة خطابها الديني والذي ينبغي أن يتناسب مع حجم التحدي الذي تعيشه المدينة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى