الاسكافي واللعب بالقوافي

خدرتني روائح الجلود واللواصق والكعوب المعتقة، وأنا انتظر انتهاء الاسكافي، من إعادة حقائب وأحذية الأسرة إلى الخدمة.

كنت محشوراً في دكانه الذي يشبه علبة الكبريت، أجلس مثل تمثال شمع أقرأ نظرية الأدب لتيري ايغلتون، لحين انتهاء الساعتين بحسب توقيت الاسكافي. وبعد صفحة وأخرى، كنت اشعر بنظراته تتفحصني، وكاد مرتين أن يقول شيئاً لولا أنني تجاهلته، ومارست دور من يتجنب الثرثرة في الأماكن الضيقة.

بدا التوتر عليه وهو يعذب كعب حذاء ابنتي ( أمل ) بمطرقة كبيرة، قال وهو يخرج مسماراً من بين شفتيه: أنا شاعر. ثم فضح خراب أسنانه بابتسامه قابلتها ببرود زمن الحصار. ثم واصل: وقال “إنا العب بالقوافي لعب” والعديد من الشعراء يزورونني ويسمعون شعري.

وراح يعدد لي أسماء شعراء لم اعرف منهم سوى زميل قتلته جلطة دماغية قبل أعوام وحتى هذا أكد لي الإسكافي بأنه زاره قبل ايام وابدى ملاحظات على آخر القصائد التي كتبها. وأخذ يردد أبيات شعرٍ حمدت الله على أن (صفاء الخلوصي) لم يستمع إليها وإلا فكان سيقطّع الاسكافي ارباً.

قلت في نفسي وأنا اتابع تسلسل الوان كعوب الأحذية فوق رأسه من الابيض الى الازرق: “هذا موقف انساني طبيعي، رجل في متوسط العمر، قد يكون مبالغاً قليلاً في كلامه لكن يبدو بانه عصامي وما يزال يفتش عن نفسه، وعليّ أن اكون إيجابياً بدلاً من تحطيمه بمتفجرات الجمل المحبطة كما يفعل دينصورات الوسط الادبي بالشباب ويقتلون فيهم بذرة الإبداع قبل أن تتسنبل.

فكرت بانحسار المواهب الادبية في مدينة الموصل، وهي التي كانت تمد المشهد الثقافي العراقي عموما بحشود مبدعيها. وبأزمة التلقي وكسل السرد مقابل طغيان نشاط الشعر، وغياب النقد أو رمي شباكه بعيداً عن أسماك الحي. وارتحت الى فكرة وجود كوكبة الشعراء القادمين من ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وتمنيت وأنا أخذ نفساً عميقاً أن يستيقظ القصاصون من غيبتهم، ويثبتوا بأنهم مازالوا على قيد الحياة.

مضت الساعة الاولى، كنت قد توقفت عن القرأءة بسبب اغنية لسعدي الحلي انطلقت فجأة من خلف الاسكافي وقبل ان تنتهي(يا مدلولة خلص عمري) كان الاسكافي قد بدأ بترتيق حقائب أبنائي المدرسية. كنت مصراً على حيادي ولم أتورط في استدراجه لي إلى حوارات سياسية وفنية لاك لسانه مضامينها بسرعة المعلقين الرياضيين.

كانت ملامحي متوقفة عند لحظة صامتة وكان هو يشتعل غضباً من البرلمان ومجلس محافظة نينوى وتأخر رواتب المتقاعدين وعدم رغبته في إبدال النشيد الوطني الحالي بآخر سرق كاظم الساهر ألحانه واقتراب نهاية العالم بسبب منح جائزة الأوسكار لواحد مثلي!. وهنا تحديداً مد ذراعه دون أن يلتفت ورفع الصوت أكثر وقال”حملت الآه والحسرة”.

عند آخر حقيبة حشرها في ماكنة الخياطة، انخفض صوت الحلي، وغلبتني لعنة فضول الصحافة فسألته :”لماذا تشغل نقسك بهذه الأمور، اتركها لأصحاب الشأن. فأجابني كمن يرد اهانة عظيمة:

– حتى نفهم الحمير المنشغلين بأمور أخرى..!.

لم أدرك سبب غضبه، أخذ مني ورقة من فئة (25)الف دينار، سمعته يخاطب نفسه بينما يداه تفتشان بتوتر داخل علبة ورقية متسخة: “من أين أجلب له الباقي”.

نهض وهو يلعن اليوم الذي إعيد فيه إعمار شارع حلب وحظه العاثر لأنه يضطر للتعامل مع هذه(الشكولات)، ثم نظر إلي قليلاً قبل أن يخرج علبة مسامير قديمة من تحت كرسيه، وفرش محتوياتها على سطح الماكنة. في لحظة خاطفة التقطت عيني بطاقة فيها صورته تشبه تلك التي يمنحها إتحاد الادباء، وأخرى بنفس الوان بطاقات نقابة الصحفيين، وأخريات لم أستطع معرفة عائديتها بشكل أكيد باستثناء البطاقة الوطنية.

وضع باقي المبلغ في جوف حذاء رياضي كان بجانبي، قال دون أن ينظر الي:

– يعتقدون بأنهم عباقرة، واحدهم يحتاج الى خارطة من اجل الوصول الى ثقب سرته!!

أردت أن اوضح له سوء الفهم وإنني لم أقصد التعامل معه بفوقية، كنت استجمع كل ما لدي من ادب، وكان هو يرتعد مثل ثور فاجأته حمرة قانية.

الروائح و(هويات) الاسكافي دوختني تماماً، وأنا اخطو الى الخارج وأسماعي مستسلمة لصوت الحلي الذي ارتفع مثل رعد: حبيبي أمك متقبل من أحاجيك.. .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى