نغم مكي
أسير في كورنيش شط العرب لأروّح عن نفسي، أو لألتقط صوراً أرفقها بأحد التقارير التي أكتبها. أبحث عن ركن يقيني من حر شمس لا تُحتمل، فلا أجد سوى نخيل متفرق زُرع على جانبي الممشى.
يُعدّ الكورنيش أحد أبرز المعالم السياحية في العراق. يتكون من شارع وممشى يطلان على نهر شط العرب، ويقع في محافظة البصرة، أقصى جنوب البلاد. كان قبل عشرين عاماً غابة كثيفة الأشجار، وبات اليوم فضاءً هندسياً مكشوفاً.
تميّز المكان سابقاً بأشجار معمرة ضخمة، كأشجار اليوكالبتوس واللبخ والسدر، وفّرت ظلاً واسعاً ساهم في تلطيف قيظ الصيف اللاهب. أما اليوم، فقد حلت محل تلك الغابة نخلات نسيجية وشجيرات زينة صغيرة منسقة. أضفى هذا التبديل مظهراً حضرياً منظماً، لكنه جرّد المكان من ظله.
أتذكر طفولتي، حين كنا نصعد بفرشنا إلى سطوح منازلنا، كما اعتاد أغلب العراقيين قبل أن تحتل أجهزة التبريد بيوتنا، وقبل أن يتحول صوت المولدات الكهربائية إلى ضجيج يقلق راحتنا بدلاً من أن يمنحنا إياها.

كنت أستلقي على الفراش الذي يُمدّ بعد الغروب، ويُترك ساعتين أو أكثر حتى يبرد قليلاً، غير مبالية بلسعات الناموس. أنظر إلى النجوم وأتأمل جمالها، الذي لم نعد نراه اليوم لأسباب نجهلها، وأطلب أمنية تتعلق بنجاحي في دراستي. كانت تلك الليالي صافية كالسماء، لا يعكرها شيء.
كان ولعي كبيراً بشجرة السدر في بيت أخي، وهي تتدلى فوق جدار سطحهم بأوراقها وأغصانها، كأنها تتباهى همساً بجمالها، فتتساقط ثمارها علينا كالمطر.
كنت أتسلق ذلك الجدار، الذي يشبه سلّماً يوصلني إلى بيت أخي، لأجني ثمار النبق. لم يكن خوفي من الوقوع كافياً ليمنعني، بل كان يزيدني إصراراً. ولشدة حبي لتلك الشجرة، لم تفارق أحلامي حتى اليوم.
ثم، في يوم لم أتوقعه، اختفت الشجرة بلا سابق إنذار. لم يعد جذعها الضخم يتسع في تلك المساحة الضيقة، وكان قرار إزالتها حتمياً، إذ لم يعد منزل أخي يحتمل وجود جذعها العالق في طريق البناء. فأُزيلت، ولم أعرف مصيرها بعد أن قُطعت. حلت مكانها غرفة من البلوك والإسمنت، وبهت البيت كله بعدها.
لم تكن تلك المرة الأولى لمثل هذا الفقدان الصغير. حديقة منزلنا أيضاً أُزيلت لتُبنى مكانها شقق، حين ضاق البيت بأهله. وما يبقى عالقاً في ذاكرتي أن أمي، رحمها الله، كانت تروي لنا أنها اقتُلعت بأكملها من جذورها لتُغرس في مكان آخر عند أقاربنا، لكنها أُزيلت هناك للسبب ذاته.
كم وددت رؤيتها ومعرفة مصيرها، كأن لعنة تلاحقها: أينما زُرعت اقتُلعت.
وما جرى في بيتنا لم يكن استثناءً، بل نسخة مصغرة عن قانون أكبر يحكم مدينتنا كلها: «حين يتعارض وجود شجرة مع مساحة بناء إضافية، تُحسم المعادلة دائماً لصالح الإسمنت».
فما فعلناه نحن على مستوى غرفة وحديقة، فعلته البصرة على مستوى مدينة بأكملها، حين مُحي متنزه الخورة، أكبر متنفس أخضر في وسط المدينة.
كانت مساحة متنزه الخورة تبلغ نحو 163 ألف متر مربع، وكان من أبرز المتنفسات الترفيهية في البصرة؛ مساحة استجمام مجانية للعائلات، وملعباً لأطفال المدينة يركضون فيه بلا حساب ولا ثمن، قبل أن يُستثمر ويتحول إلى مول تجاري حديث.

مُحيت تلك الذكريات كما تُمحى الخريطة القديمة برسم جديد. حتى المشاتل القريبة منه، التي كانت تضفي على المكان خضرة ورائحة تراب وأشجار، أُزيلت هي الأخرى لتوسيع الشارع المحاذي.
مساحة عامة، ملك للجميع، تحولت إلى مشروع استثماري خاص، من دون أن يسأل أحد: أين كانت خطط حماية هذا المتنفس قبل توقيع عقود بنائه؟
لم يكن هذا المشروع الأول الذي تُمحى فيه رقعة خضراء. فالحروب والجفاف وشح الإطلاقات المائية والتوسع العمراني حوّلت البصرة من حاضنة لأكبر شريط من غابات النخيل في العراق إلى مدينة عانت تراجعاً حاداً في هذا المورد.
انخفض عدد النخيل من نحو 35 مليون نخلة في السبعينيات إلى نحو 2.8 مليون نخلة حالياً، قبل أن تشهد البساتين تعافياً وزيادة تدريجية في السنوات الأخيرة، بفضل مبادرات زراعية أطلقتها فرق تطوعية.

في طفولتي، كنت أتابع بانبهار رسوماً متحركة تصور مروجاً خضراء ومياهاً متدفقة وشرفات منازل تطل على مناظر خلابة، مستوحاة من قرى وأرياف أوروبية. واليوم يعود ذلك الانبهار بصورة مغايرة، إذ ترتفع درجات الحرارة في تلك الدول ذاتها، ويخطر في بالي: «هل انعدمت تلك المروج أمام هذا القيظ؟».
حين أُكلّف بكتابة تقرير أو رصد بيئي، ويكون الموقع بستاناً أو رقعة خضراء خارج المدينة، لا أخفي سعادتي. لا تهمني المسافة التي أقطعها للوصول إليه بقدر ما يهمني المنظر الذي يسرّ العين قبل بدء يومي.
حينها يخطر في خلدي قول قرأته يوماً: «يهدأ الإنسان في الطبيعة لأن ذلك الوحش البري بداخله قد عاد أخيراً إلى بيئته الأم».

وأظن أن هذا بالضبط ما تحرمنا منه مدينة تقتلع أشجارها واحدة تلو الأخرى. فنحن لا نفقد ظلاً فحسب، بل نفقد ذلك الهدوء الذي لا يمنحه إلا الأخضر.
كان شهرا آب وتموز يحملان معهما مفاجآت متوقعة، منها ارتفاع نسبة الرطوبة التي تسمح بالتقاط إشارة قنوات تلفزيونية بعيدة، كقناة الكويت الأولى، من دولة الكويت، إحدى دول الخليج العربي المجاورة للبصرة، التي تبعد عن مركز مدينتنا 170 كيلومتراً براً.
أدركت بعد سنوات أن هذه الظاهرة تعود إلى أن الرطوبة والحرارة صيفاً تصنعان طبقة جوية تعكس موجات البث، وتوصلها إلى الهوائي من مسافات بعيدة جداً، بدلاً من أن تضيع في الفضاء.
كنا ننسجم مع المشاهدة على صوت المبردة المائية، التي تخفف من وطأة تلك الرطوبة، منشغلين بمتابعة مسلسلات لا نكمل حلقاتها حين تقل الرطوبة من جديد. ولا أعرف حتى الآن: هل كنت أضيق بذلك أم أستمتع به؟
أما اليوم، فلا يكتفي آب، وهو الشهر الأكثر لهيباً في السنة، بأن تتجاوز حرارته 52 درجة نتحملها بصبر.

بينما أشاهد الأوروبيين وهم يتهاوون تحت وطأة حرارة أقل بكثير من حرارتنا، وترتفع أعداد وفياتهم كلما ارتفعت درجات الحرارة، أراقب المشهد وأشعر بأنني أُنهك مثلهم من فرط الحر. يغلبني التعب ويداهمني الغثيان، لكنني أقاوم، وأشد قامتي، وأتابع طريقي رغم لهيب الشمس الذي لا يرحم.
أتذكر أيضاً أبا سعود، ذلك الرجل الطيب، أحد أقربائنا، رحمه الله، ولهفة انتظاري سلة الرطب المصنوعة من الخوص، التي كان يقدمها لنا كل عام في شهري آب وتموز.
ورغم عدم تحبيذي لشدة حرارتهما، كان يعوض ذلك بأشهى الأصناف التي يحملها فوق رأسه، فرحاً بمحصوله الوفير، رغم أنها كانت تفوقه ثقلاً.

أما الآن، فقد اختفى أغلب البساتين التي كانت تنتج أجود أنواع الرطب، وحلت محلها بيوت من الطابوق، وكأن أحداً لا يسأل عن هذا التلاشي، وما يتركه من أثر في مناخ مدينة لا تحتمل مزيداً من الحرارة.

في بقعة أخرى من مدينتي، أبتسم لرؤية شارع في أحد الأزقة مزين بأشجار زرعها سكانه، تتدلى أغصانها من أسيجة بيوتهم وتهدي ظلاً للمكان.
ألتقط صورة لأحتفظ بها ذكرى، فربما لا أرى ذلك المشهد مرة أخرى. فالأشجار، حين تُقتلع بصمت، لا يُذاع خبرها في الشاشات أو القنوات الإخبارية، كما تُحصى أعداد القتلى.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



